سودان تمورو:
في لحظة مفصلية يتأرجح فيها السودان بين شراسة الحرب وانفتاح أفق التأسيس من جديد يتقدم النظام الفيدرالي بوصفه الخيار الوحيد القادر على إعادة صياغة العقد الوطني وترميم الشروخ العميقة التي صنعتها عقود من المركزية المفرطة. ليست الفيدرالية هيكلاً إدارياً فحسب بل فلسفة حكم تعيد هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع وبين الأقاليم والعاصمة وبين المواطنين والدولة وتمنح كل صاحب حقٍّ نصيبه العادل من الثروة والقرار. والانطلاق نحو هذا النموذج لا يكون بتقليد أعمى لتجارب الآخرين بل بفهم روح الفيدرالية ذاتها.. توزيع عقلاني للسلطة والثروة داخل دولة واحدة موحدة لا تفلت فيها الأطراف من المركز ولا يستأثر فيها المركز بما تنتجه الأطراف.
يستند النظام الفيدرالي إلى وجود مستويين للحكم يرتبطان برابطة دستورية صلبة لا يمكن لأي طرف نقضها منفرداً. الحكومة المركزية تمارس السيادة العليا للدولة وتدير الأمن والدفاع والسياسة الخارجية والعملة والجنسية بينما تتولى حكومات الأقاليم إدارة شؤونها الداخلية في التعليم والصحة والبنى التحتية والخدمات والشرطة المحلية وفق دستور يحدد بدقة مجال كل سلطة وحدودها. غير أن هذا الإطار العام يتخذ في العالم أشكالاً متنوعة بين الفيدرالية التعاونية كما في ألمانيا والنمسا حيث تتشارك الحكومة المركزية والأقاليم في التشريع والتنفيذ والفيدرالية التنافسية كما في الولايات المتحدة التي تقوم على فصل حاد للصلاحيات يمنح الولايات استقلالاً واسعاً والفيدراليات التوافقية المصممة لاحتواء الانقسام اللغوي أو الثقافي مثل بلجيكا وسويسرا إضافة إلى الفيدراليات اللامركزية ذات الحكم الإقليمي القوي في كندا. هذا التنوع يوضح حقيقة جوهرية.. الفيدرالية لا تستنسخ بل تُفصَّل تفصيلاً وفق حاجات كل بلد.
وبالنظر إلى الواقع السوداني بتعدديته القومية واتساعه الجغرافي وتعقيداته التاريخية فإن النموذج التعاوني يبدو الأقرب إلى احتياجاته لأنه يمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها وفي الوقت نفسه يحتفظ بمركز قوي قادر على إعادة الإعمار وضمان الأمن وبناء مؤسسات الدولة وتوحيد السياسات الاقتصادية والسيادية. تقسيم السودان إلى خمسة إلى ثمانية أقاليم متوازنة الحجم يتيح تجاوز العصبيات الصغيرة ويمنح كل إقليم كتلة سكانية واقتصادية قادرة على إدارة ذاتها دون أن تفقد الدولة وحدتها السياسية.
غير أن نجاح أي نظام فيدرالي في السودان أو غيره يتوقف على كيفية توزيع الثروة. فالثروة في الدول الفيدرالية ليست ملكاً للمركز ولا للأقاليم بل للدستور الذي يضمن التوازن بين الطرفين. ومن هنا يتشكل الفرق بين الموارد المحلية التي ينبغي أن تكون من حق الإقليم في إدارتها واستثمارها – مثل الضرائب والزكاة والجمارك الداخلية ورسوم الخدمات – والموارد القومية الكبرى مثل الذهب والنفط والمعادن والمياه التي يجب أن تُدار عبر مؤسسات قومية مشتركة تمثل الأقاليم جميعها وتخضع لمعادلة توزيع عادلة تستند إلى أربعة معايير أساسية: عدد السكان مستوى الفقر احتياجات التنمية وتعويض الأقاليم المنتجة. ويصبح اقتراح تخصيص 75% من الموارد المحلية للأقاليم و25% للمركز جزءاً من هذه المعادلة إذ يتيح للمركز ممارسة وظائفه السيادية ويمنح الأقاليم القدرة على تطوير خدماتها وتنميتها الذاتية مع إنشاء صندوق وطني للتوازن المالي يدعم الأقاليم الأقل نمواً حتى لا تتحول الفيدرالية إلى نظام يعمق الفوارق بدلاً من معالجتها.
وتتشابك هندسة توزيع الثروة مع شكل الحكومة المركزية نفسها. ويبدو النظام البرلماني هو الأنسب للسودان في مرحلة ما بعد الحرب لأنه يمنع إنتاج الحكم الفردي ويجبر الأحزاب على بناء تحالفات واسعة ويرسخ ثقافة التوافق السياسي بدلاً من الاستقطاب. انتخاب النواب عبر دوائر جغرافية وسكانية يضمن تمثيلاً عادلاً بينما يشكل مجلس آخر يمثل الأقاليم بالتساوي صمام أمان يمنع تغوّل المركز على الأطراف. وتُمنح الكتلة الأكبر في البرلمان حق اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة بما يعكس الإرادة الشعبية بينما توزّع الوزارات السيادية بعدالة بين الأقاليم وتخضع السياسات العامة لمراقبة البرلمان بغرفتيه.
ولا يمكن لأي نظام فيدرالي أن يعمل في بلد خرج من حرب مدمرة إلا عبر جيش قومي واحد موحد القيادة والعقيدة والانضباط. الفيدرالية لا تعني تعدد الجيوش بل توحيدها. لكن هذا الجيش يجب أن يمثل السودان كله لا جزءاً منه. ومن هنا تأتي أهمية استيعاب الطلبة والضباط وفق التوزيع الجغرافي والسكاني بحيث تصبح الكليات العسكرية مرآة دقيقة للتنوع السوداني. ويتشكل الجيش على أساس قومي مهني بينما يُترك للأقاليم إنشاء قوات شرطة محلية وأجهزة أمن داخلي محدودة تعمل تحت سلطة المركز في حالات الطوارئ بما يضمن عدم تحولها إلى جيوش موازية.
ويتطلب النظام الفيدرالي كذلك ضماناً دستورياً لحرية المواطن السوداني في السكن والعمل والتنقل في أي إقليم دون قيود مع احترام القوانين المحلية للإقليم الذي يقيم فيه بما يجعل الانتماء للسودان هو القاعدة العليا التي تعلو على الولاءات الصغيرة.
إن تطبيق النظام الفيدرالي في السودان هو مسار سياسي واضح بثلاث مراحل: أولها مرحلة ما بعد الحرب المباشرة حيث يُعقد مؤتمر وطني شامل يضع أسس تقسيم الأقاليم وصلاحياتها وتوزيع الثروة والسلطة ويكتب مشروع دستور فيدرالي حديث. ثم مرحلة انتقالية تشهد حكومة وحدة وطنية تشرف على أول انتخابات برلمانية اتحادية وإقليمية. وأخيراً المرحلة التأسيسية حيث تُنشأ بقية المؤسسات الدستورية.. المحكمة الدستورية العليا هيئة توزيع الثروة ومجالس الأقاليم وتُطبّق الفيدرالية فعلياً على الأرض.
الفيدرالية التي يحتاجها السودان ليست مشروعاً لإعادة رسم الخرائط بل لبناء الثقة بين الأقاليم ولتحويل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة. وليست محاولة لتقليد الآخرين بل استراتيجية بقاء لبلد واسع لم تنصفه المركزية ولا يمكن أن يستقر إلا بنظام يضمن المشاركة العادلة للجميع. وعندما ينتهي صوت البنادق ويجتمع البرلمان الجديد ليختار نموذج حكم البلاد لا بد أن يضع نصب عينيه أن الفيدرالية التي سيختارها ليست نصاً في الدستور فقط بل وعدٌ وطني ببناء دولة يعيش فيها الجميع بلا تهميش ولا خوف ولا حسابات مغلقة بين المركز والأطراف. إنها الطريق الأكثر واقعية نحو سودان موحد قوي بمركزه قوي بأقاليمه وقوي بمواطنيه.
