الإثنين, يونيو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيخط الدفاع الأول في الفاشر: المتطوعون والأطباء ضحايا المجازر .. حواء داوود

خط الدفاع الأول في الفاشر: المتطوعون والأطباء ضحايا المجازر .. حواء داوود

سودان تمورو

في دارفور، إذا لم تنتظر الموت، فإنه سيطاردك لينقض عليك. الموت يلاحق العزل أينما ذهبوا، وإن احتموا داخل المستشفيات، والملاجئ، ودور العبادة. لم يسلم المتطوعون والمبادرون في مدينة الفاشر غربي السودان من الانتهاكات، وهم خط الدفاع الأول في العمل، وقد قاموا بأدوار عظيمة في غرف الطوارئ والتكايا.

بدأ الناجي محمد آدم الحاج، الذي يبلغ من العمر 29 عاماً، حديثه للميادين نت عقب إطلاق سراحه بعد دفع الفدية المفروضة على أهله. خرج محمد آدم بعد أن اختبأ مع طبيبة وأخيه في إحدى بنايات مستشفى في الفاشر. تسللوا ليلاً عبر البوابة الغربية قاصدين منطقة طويلة، لكنهم وقعوا في كمين نصبته قوات الدعم السريع في البوابة، فتم أسرهم وإعادتهم إلى المدينة إلى مقرهم داخل مباني مطار الفاشر.

لم يكونوا الوحيدين؛ فقد وجدوا تسعة أشخاص آخرين معتقلين في غرفة لا تتسع لثلاثة أفراد، حيث تم ضربهم بالسياط وربطهم بالحبال، ومنع الطعام والشراب عنهم ليوم كامل. في اليوم التالي، تم نقلهم إلى قرية كنين شمال شرق الفاشر، حيث تولت عناصر أخرى أمرهم. طلبوا منهم الاتصال بذويهم لدفع فدية مالية مقابل الإفراج عنهم، مع تهديدهم بالقتل إذا تأخر الرد.

وأضاف محمد الحاج، المتطوع بمستشفى الفاشر للنساء والتوليد، أن الخاطفين أطلقوا سراح الطبيبة، لكنهم لم يكونوا على دراية بوظيفتها. بعد التواصل مع ذويهم، تم تصفية اثنين من الشباب لأن أهاليهم لم يتمكنوا من دفع الفدية. أما محمد، فقد بقي ثلاث ليالٍ مع المختطفين، وطالبوا بدفع مبلغ قدره خمسة ملايين جنيه سوداني.

بعد إتمام عملية الدفع عبر تطبيق “بنكك” الإلكتروني، تم نقلهم إلى بلدة صغيرة شرق جبل مرة، ومنها ساروا على الأقدام إلى منطقة طويلة التي تبعد 69 كلم من مدينة الفاشر، بينما كان مصير مئات المختطفين الآخرين مجهولاً في ظل تفاوت المبالغ المطلوبة للفدية، وفقاً للأيام التي قضاها كل منهم في الأسر.

تنفس محمد الصعداء بعد أن وصل إلى بلاده، لكن الخوف والرعب والإحباط سيطروا عليه، مما جعله غير قادر على ممارسة عمله مجدداً، فضلاً عن انشغاله بمصير رفاقه الذين لا يزالون قيد الاعتقال. وهم الآلاف من الضحايا الذين اعتُقلوا وعُذبوا وقُتلوا. ويختم محمد حديثه بنظرة متشائمة إلى المستقبل القاتم للشباب في ظل الصراع الدائر، ويتساءل: “كيف سيكون مصيرنا إذا تغلبت هذه القوات على الدولة وهي تفتك وتقتل الجميع؟”.

الأطباء في دارفور كانوا ضحايا المجازر أيضاً. فقد لقي آدم إبراهيم إسماعيل، الطبيب في مستشفى الفاشر للنساء والتوليد، حتفه بعد أن تم أسره مع عدد من الكوادر الطبية عقب اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة. كما قُتل المتطوع قذافي عمر مانيس، عضو غرفة طوارئ معسكر زمزم بالفاشر. بحسب غرفة طوارئ معسكر زمزم، كان الشهيد قذافي أحد مؤسسي الغرفة، وظل يقدم المساعدات الإنسانية للنازحين. وفي استهداف واضح للكوادر الطبية، أطلقت قوات الدعم السريع سراح أكثر من 20 من الكوادر الطبية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الحالي، من بينهم المدير العام لوزارة الصحة بولاية شمال دارفور، الدكتورة خديجة موسى.

شهادات مروعة
يقول الطبيب “م. ع”، الذي نجا مع مئات من الكوادر الطبية في مستشفى الفاشر للنساء والتوليد بعد أن تم أسرهم في أحد المباني، أن الوضع داخل المستشفى تحول إلى ساحة موت. لا دم لإنقاذ المرضى لأن المتبرعين جوعى، وأطفال يموتون من الجوع، والطائرات المسيرة تحلّق فوق رؤوسهم. قُتل الأطباء، وتُرك المرضى للموت. في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025، قُتل أكثر من 460 مريضاً ومرافقاً لهم في المستشفى بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.

يصف الطبيب الوضع المروع بكلماته: “مريض ينزف أمامك ولا تستطيع مساعدته لأن لا يوجد دم لتقديمه له. الناس لا يستطيعون التبرع بالدم عندما لا يجدون شيئاً يأكلونه. بدأنا باستخدام شباك البعوض وملاءات الأسرة كضمادات، واستخدمنا أدوية منتهية الصلاحية منذ سنوات، يختبرها الصيادلة قبل إعطائها. بعض الأيام أرى 20 مريضاً، وأتذكر في يوم ما عندما سقط صاروخ وقتل 200 مريض في لحظة”.

يشير الطبيب إلى أن القصف المكثف للمنشآت الطبية بدأ في الأشهر الأخيرة. حيث ضربت طائرة مسيرة الجناح الذي كانت تقيم فيه عائلات المرضى، ووُجدت جثثهم في كل مكان. أكثر الأيام رعباً كانت عندما ضربت غرفة الطوارئ، مما أدى إلى مقتل نحو 70 شخصاً. حاول الأطباء إسعاف المرضى، لكنهم لم يتمكنوا من استخدام المصباح أو نقل الجرحى خوفاً من الهجوم مرة أخرى. كانوا يجرون العمليات الجراحية في وقت ضربت فيه الطائرة المسيرة بالقرب من مستشفى النساء والتوليد، مع محدودية المواد.

ويضيف الطبيب: “قبل الحرب، كنت مليئاً بالأحلام. أردت دراسة الماجستير في التشريح والفسيولوجيا، حيث تخرجت. كنا أنا وأصدقائي نؤمن أننا قادرون على تحسين كليّتنا بجهودنا الخاصة، من خلال التدريس والمساعدة في معالجة نقص الكوادر. فقدت العديد من زملائي الأعزاء في هذه الحرب. قُتل زميلي الدكتور عمران قبل أيام عندما استهدفت آخر عيادة عاملة في موقع نزوح بحي أبو شوك. كما قتل صديقي الدكتور محمود بوحشية في مستشفى زمزم للإغاثة مع زملائه. توفيت الصيدلانية آمنة عندما قصفوا صيدليتها. كثير من عمال النظافة والممرضين قتلوا إما داخل المستشفى أو في طريقهم إليه. نحن نكبت حزننا لأننا إذا لم نفعل، لن نستطيع الاستمرار في العمل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات