خاص سودان تمورو:
تميز الشعب السوداني من بين شعوب المنطقة – ان لم نقل العالم – أنهم كانوا السابقين للثورات والإطاحة بديكتاتوربات عاتية ، في وقت كان العرب يرزحون تحت حكم الاستبداد بأشكاله المختلفة (عسكريا وملكيا ونظام الحزب الواحد الذي يرفع شعار فرعون لا اريكم الا ما اري ).
في عامي 1964 و 1985 تحرك الشعب السوداني واطاح بدكتاتوريات عاتية، وعمل الناس على ارساء حكم ديموقراطي لم تعرف منطقتنا نظيرا له ، ويجدر بنا كسودانيين ان لانغفل عن تعريف العالم بما جري عندنا في العام 1964 و 1985، ففي هذه الثورات الجماهيرية الشعبية العارمة التى إطاحت بالحكم العسكري وثبتت النظام المدني كان الطابع السلمي والحضاري هو الذي اتصفت به هذه الثورات ، وشهد العالم في انبهار ودهشة كيف تلاحم الجيش والشعب في الثورتين ، وتمت الإطاحة بالرئيسين – عبود ونميري – مع أنهما كانا من صلب المؤسسة العسكرية وابنائها الذين تدرجا فيها من الرتب الصغري للضباط إلي أعلي الرتب حتي تسلما القيادة ،و لم يكونا طارئين ولا دخيلين علي المؤسسة العسكرية ، وانما منها وفيها، لكن لما حانت ساعة الجد وقال الشعب كلمته وقرر قراره انضمت المؤسسة العسكرية لشعبها وحدث التغيير بسلاسة ، وعاش الناس وئاما لايمكن أن يحدث في كثير من بلدان العالم ، وهذه ميزة حسنة تحسب لشعبنا ككل لافرق بين مدنييه وعسكرييه، وبعد ذلك لم تعرف بلادنا انتقامات ولا تصفية حسابات، وعاش الكل في هدوء.
هذا كان عن الماضي الابعد ، وفي الماضي القريب الذي عايشه شبابنا (حيث الإطاحة البشير وقيام فترة الانتقال ) رسم الحراك الاخير
صورة مشرقة عن تلاحم الجيش والشعب ، و كان جميلا ومعبرا عن معان سامية وعظيمة هذا الاطمئنان الذي يشعر به المتظاهرون وهم يرون عربات الجيش تعبر بجوارهم والتحايا المتبادلة بين الطرفين في مشاهد توحي بالثقة وعمق الترابط وقوة العلاقة بين الجيش وشعبه، وكم كان جميلا ارتفاع شعارات معبرة كقول المتظاهرين يومها :
جيش واحد شعب واحد
جيشنا معانا وما همانا
وغيرها من الشعارات التي توضح عمق هذا الترابط .
ايضا نقلت الاخبار أن المتظاهرين في عطبرة يومها هتفوا بحياة الجيش وبادلهم الجنود التحية ، واصر بعض المتظاهرين علي حمل ضباط الجيش علي اعناقهم وهم يهتفون بحياة الجيش وبقاء المؤسسة العسكرية .
وفي مظاهرات مدينة الرهد بولاية شمال كردفان كان موقف المتظاهرين عظيما وهم يقدمون الماء والطعام لقوات الأمن التي تحمي المنشآت وتلك التي تراقب التظاهرات وقد اعيا أفرادها الجوع والعطش بسبب الاستنفار وطول انتظارهم في الميدان دون أن توفر لهم مؤسساتهم المؤونة التي تقيهم الجوع والعطش ، وكان ملفتا أن أبناء الرهد قدموا الماء والطعام لهذه القوات في موقف كان له عظيم الأثر في نفوس الجنود وانعكس إيجابا علي علاقتهم بالمتظاهرين وتعاملهم معهم .
وفي مدينة امدرمان خرج المتظاهرون بعد انتهاء إحدى مباريات الهلال الأفريقية يوحدهم الهتاف العالي بضرورة الاصلاح وظلوا يزحفون بشارع الأربعين إلي أن وصلوا إلي مشارف كبري النيل الابيض محاولين العبور إلي الخرطوم فمنعتهم القوات الأمنية وطاردهم رجال الشرطة فاحتموا بالسلاح الطبي الذي فتح لهم أبوابه واحتضن الجيش أبناء شعبه وحماهم ومنع رجال الشرطة بحسم وحزم من دخول السلاح الطبي طالما أن الجماهير احتمت به ، وكان هذا الموقف جميلا ويحسب للجيش قيادة وضباطا وجنودا .
كثيرة هي الصور الجميلة التي تستحق الإشادة بها و الثناء عليها واعلاه نماذج منها ، ولبقاء هذا التلاحم بين الجيش والشعب ليكن شعار الجميع لا جيش بدون الشعب ولا شعب بدون الجيش جيش واحد شعب واحد.
والان والبلاد تشهد احتفالات جماهيرية عفوية بانتصارات الجيش في عدة ميادين فان قيادة الجيش مطالبة ان تنتبه إلى ضرورة مراعاة الضوابط والقيم الشرعية والاخلاقية في تعاطيها مع أبناء شعبها وان تكون المؤسسة العسكرية هى السور الواقي لشعبها وجسر الامان الذي تعبر به البلد هذه المنحدرات السحيقة التى يمكن أن تنجرف إليها لاسمح الله ان لم يتم حسم الدعوات الغير مقبولة إلى توسيع دائرة الانتقام وملاحقة من اطلق عليهم اسم المتعاونين مع الدعم السريع.
لاشك ان هناك متعاونين مع المجرمين ، وبعض هؤلاء ارتكبوا الجرائم مباشرة ويستحقون العقاب لكن لابد من الانضباط العالى جدا ومنع الناس من ممارسة الانتقام وان ياخذوا حقوقهم بايديهم ففي هذا من المشاكل ما لا حصر له ، ولابد من مراعاة ان يتم ذلك بدقة متناهية مع المنع التام للناس من تطبيق القانون بأيديها لان هذا يفتح بابا للفوضي ستكون اثاره وخيمة على الجميع.
يلزم ان يبتعد الجيش عن تصفية الحسابات ومعاملة الناس برد الفعل وان تسمو المؤسسة عن الصغائر ، ويجب على الجيش ان يحفظ لشعبه جميل مواقفه وتعود الثقة قوية بين المواطنين والجيش ويري الناس ان جيشهم يستحق احترامهم ويعرف الجيش ان لا قوام ولا قيام له دون شعبه
