الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين مشروع الدولة العادلة ومخططات التفكيك!

السودان بين مشروع الدولة العادلة ومخططات التفكيك!

خاص سودان تمورو

لا يمكن مقاربة الدعوات المتصاعدة لانفصال الأقاليم السودانية، وعلى رأسها دارفور، باعتبارها تعبيرًا سياسيًا عابرًا أو رد فعل انفعاليًا على مظالم تاريخية، بل ينبغي تحليلها بوصفها خطابًا تفكيكيًا يستهدف جوهر الدولة السودانية ويعيد إنتاج أزمتها في صورة أكثر خطورة. فالسودان لم يكن يومًا تجمعًا اعتباطيًا لأقاليم متجاورة، بل كيانًا تاريخيًا تشكّل عبر قرون من التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، حيث تماهت حركة السكان مع المصاهرة والعمل المشترك والأسواق المفتوحة والهوية الدينية واللغوية الجامعة، ما جعل أي محاولة لتفكيكه فعل عنف سياسي ضد التاريخ والجغرافيا والمجتمع في آن واحد.

تنطلق الأطروحة الانفصالية من معادلة مضللة تختزل الأزمة السودانية في “الوحدة” وتقدّم “الانفصال” بوصفه الخلاص، متجاهلة أن التهميش لم يكن نتاج الدولة الموحدة بقدر ما كان نتيجة نموذج حكم مركزي فاسد احتكر السلطة والثروة وأقصى الأطراف. والانفصال، في هذا السياق، لا يمثّل علاجًا للتهميش، بل هروبًا من مواجهته، ونقلًا للصراع من مستوى الدولة إلى داخل الإقليم نفسه، حيث يعاد إنتاج الظلم في كيانات أصغر وأكثر هشاشة، وبكلفة إنسانية وسياسية أعلى.

ويُسوّق دعاة انفصال دارفور من الدارفوريين لامتلاك الإقليم مقومات الدولة المستقلة من ثروات معدنية كالذهب واليورانيوم، وأراضٍ زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وهو طرح لا يخلو من وجاهة نظرية، لكنه يتعمد تجاهل الأسئلة الحاسمة المتعلقة ببنية الدولة وقدرتها على البقاء. فالثروات، في غياب مؤسسات قوية وبنية تحتية فاعلة، لا تتحول إلى تنمية بل إلى لعنة موارد تغذي الصراع. والدولة الحبيسة، المحرومة من منفذ بحري، لا تملك سيادة قرارها الاقتصادي، بل تصبح رهينة لدول الجوار وممرات العبور، ما يفتح الباب واسعًا أمام التبعية والاستغلال والتدخلات الخارجية، خاصة في بيئة إقليمية لا تتردد في توظيف الهشاشة لتحقيق مكاسبها. أما الحديث عن تماسك اجتماعي تلقائي، فيغفل هشاشة السلم الأهلي داخل الإقليم نفسه، واحتمالات تفجر النزاعات القبلية في غياب سلطة مركزية راسخة ومؤسسات جامعة.

وفي المقابل، فإن تداعيات انفصال دارفور على السودان المتبقي لا تقل خطورة، إذ إن خروج إقليم بهذا الحجم من المعادلة الوطنية لن يكون حدثًا معزولًا، بل سيطلق منطق “الدومينو” الذي يغري أقاليم أخرى ككردفان والنيل الأزرق والشرق برفع سقف المطالب الانفصالية، ما يحول البلاد إلى فسيفساء دويلات ضعيفة متنازعة، فاقدة للعمق الاستراتيجي والقدرة الدفاعية. كما أن فقدان دارفور يعني خسارة سوق استهلاكية واسعة وقوة عاملة تمثل العمود الفقري لقطاعات حيوية في الزراعة والبناء والخدمات، فضلًا عن تعقيدات اجتماعية وقانونية عميقة تتعلق بمصير ملايين الدارفوريين المقيمين في بقية الولايات، وهو وضع يتجاوز بكثير تعقيدات تجربة انفصال جنوب السودان بسبب عمق التداخل السكاني والاجتماعي.

والقياس على تجربة الجنوب ليس سوى مغالطة سياسية فادحة، إذ إن الجنوب كان أكثر تمايزًا من حيث الهوية الدينية واللغوية والبنية السكانية، بينما دارفور جزء عضوي من النسيج السوداني العام، اندمجت تاريخيًا مع كردفان والجزيرة والقضارف وسنار وكسلا عبر الهجرة والمصاهرة والعمل المشترك. انفصال دارفور قد يُرسم كحدود على الورق، لكنه يستحيل عمليًا على مستوى السكان، ما يفتح الباب أمام أزمات مواطنة ونزوح وصراعات داخلية وإقليمية لا تنتهي.

أما القوى التي تقف خلف هذه الدعوات، فلا يمكن فصلها عن أجندات إقليمية ودولية ترى في تفكيك الدول الكبيرة مدخلًا للهيمنة على الموارد وإضعاف القرار السيادي، ضمن مشاريع معروفة لإعادة هندسة المنطقة. وتجد هذه الأجندات من يخدمها في الداخل، من نخب سياسية وقادة حركات مسلحة حوّلوا قضايا التهميش إلى أوراق تفاوض وطموحات سلطوية، ولو على حساب وحدة البلاد ومستقبل شعبها. وإلى جانب هؤلاء، يقف قطاع من البسطاء الذين جرى تضليلهم بخطاب عاطفي مشحون بالكراهية واليأس، فصاروا يروّجون، عن جهل أو حسن نية، لمشاريع لا يدركون مآلاتها الكارثية على حياتهم وحقوقهم ومصير أبنائهم.

إن الرد الجاد على هذا الخطاب التفكيكي لا يكون بإنكار المظالم أو قمع النقاش، بل بتفكيك منطقه وكشف تناقضاته، وطرح بديل وطني واضح. فالمعركة الحقيقية ليست بين دارفور وبقية السودان، ولا بين الأقاليم والمركز بوصفه جغرافيا، بل بين دولة مختطفة وشعب حُرم من العدالة. والحل لا يكمن في تمزيق الخريطة، بل في إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، ونظام لا مركزي أو فيدرالي عادل يضمن توزيعًا منصفًا للثروة والسلطة، وتنمية متوازنة تربط الأقاليم ببعضها بدل ربطها بمراكز خارجية، ومصالحة وطنية شاملة تعترف بجرائم الماضي وتحقق عدالة انتقالية شفافة، وخطاب وطني جديد يحارب العنصرية وخطاب الكراهية ويعيد تعريف الهوية السودانية بوصفها هوية جامعة لا إقصائية.

إن دعوات الانفصال، في جوهرها، ليست مشروع خلاص، بل وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الفشل على نطاق أوسع. فالتنوع السوداني ليس لعنة تاريخية، بل ثروة وطنية إذا أُحسن توظيفها تحولت إلى مصدر قوة. والخيار المطروح أمام السودانيين اليوم ليس بين وحدة شكلية وانفصال منقذ، بل بين وحدة عادلة تُنقذ الدولة والمجتمع، وتمزق شامل يدفع الجميع إلى الهاوية. فالوحدة، في هذا المنظور، ليست شعارًا سياسيًا، بل شرط بقاء وضرورة تاريخية في عالم لا يرحم الكيانات الضعيفة والمجزأة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات