الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف نصنع السلام كما صنعنا الثورة؟ رسالة إلى القوى المدنية والثوريين والديسمبريين...

كيف نصنع السلام كما صنعنا الثورة؟ رسالة إلى القوى المدنية والثوريين والديسمبريين في زمن الانقسام. بقلم د.ناهد محمد الحسن

سودان تمورو:

لم تنجح ثورة ديسمبر لأنها كانت متفقة على كل شيء، بل لأنها عرفت ما الذي لا يمكن تأجيله. لم تكن وحدة ديسمبر وحدة برامج أو أيديولوجيات، بل وحدة إحساس بالخطر. الناس خرجوا لأنهم شعروا، في عمقهم النفسي، أن الاستمرار صار مستحيلًا. وحين تلتقط المجتمعات هذه اللحظة، فإنها تتحرك قبل أن تُقنع نفسها نظريًا.

اليوم نطلب من القوى المدنية والثوريين أن يصنعوا السلام بالأدوات نفسها التي صنعوا بها الثورة، فنقع في مأزق جديد. لأن السلام ليس اندفاعًا، بل إعادة ترتيب مؤلمة للأولويات، وفي كثير من الأحيان، إعادة ترتيب للأنا نفسها. علم النفس السياسي يخبرنا أن المجتمعات الخارجة من الصدمة لا تختلف حول المستقبل بقدر ما تختلف حول معنى ما حدث. من دفع الثمن؟ من خان؟ من كان أنقى؟ هذه الأسئلة ليست سياسية فقط، بل وجودية، وحين لا تجد إطارًا جامعًا، تتحول إلى انقسام دائم.

هذا ما عاشته الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي. حين خرج السود إلى الشوارع، لم يكونوا كتلة واحدة. كان هناك من يرى أن اللاعنف هو الطريق الوحيد، وكان هناك من يرى أن الغضب حق، وأن الدفاع عن النفس ليس جريمة. مالكوم إكس لم يكن أقل أخلاقية من مارتن لوثر كينغ، بل كان يعبر عن شعور عميق بالمهانة التاريخية، عن جسد أسود تعلّم أن القانون لا يحميه. في المقابل، كان كينغ يدرك أن المجتمع الأمريكي الأبيض لن يتحرك تحت فوهة الغضب، بل تحت ضغط أخلاقي منظم. الصراع بينهما لم يكن صراع خيانة وصدق، بل صراع توقيت وأداة. حين اغتيل مالكوم إكس، شعر كثيرون أن الصوت الجذري أُسكت. وحين اغتيل كينغ، شعر آخرون أن الحلم سُرق. لكن ما بقي هو التنظيم، والبنية، والقانون الذي تغيّر لأن الحركة لم تتحول إلى حرب أهلية داخل المجتمع الأسود نفسه.

جنوب أفريقيا عاشت تمزقًا أشد. لسنوات طويلة، كان المؤتمر الوطني الأفريقي يرفض أي تفاوض مع نظام الفصل العنصري. كانت الذاكرة مشبعة بالقتل والسجون، وكان الغضب أخلاقيًا بالكامل. لكن حين طال أمد الصراع، وحين صار العنف يعيد إنتاج نفسه، واجهت الحركة سؤالًا قاسيًا: هل النقاء وحده يكفي؟ نيلسون مانديلا لم يخرج من السجن ليعفو، بل ليمنع حربًا أهلية كانت ستبتلع الضحايا أولًا. كثيرون شعروا بالخيانة، وكثيرون رأوا في التفاوض استسلامًا. لكن الحقيقة النفسية العميقة هي أن المجتمع كان منهكًا، وأن الاستمرار في منطق الكسر الكامل كان سيعيد إنتاج النظام بأسماء جديدة. السلام هناك لم يكن تصالحًا عاطفيًا، بل ترتيبًا باردًا للألم، مع اعتراف متبادل بأن الإلغاء مستحيل.

إيرلندا الشمالية تقدّم درسًا آخر أكثر قربًا من واقعنا. لسنوات، كان الصراع مسلحًا، هويّاتيًا، وكل طرف يرى الآخر تهديدًا وجوديًا. التنظيمات الجذرية كانت تملك صدقًا شعبيًا، لكنها كانت محاصرة بدورة عنف لا نهاية لها. حين بدأت محادثات السلام، رفضها كثير من الثوريين باعتبارها تنازلًا عن الدم. لكن ما غيّر المسار لم يكن حسن النية، بل تنظيم الغضب داخل مسار سياسي واضح. لم يتخلّ الناس عن ذاكرتهم، لكنهم قبلوا أن يُترجموها إلى اتفاق يوقف القتل. السلام لم يكن مثاليًا، لكنه أوقف النزيف، وفتح أفقًا كان مستحيلًا في ظل السلاح وحده.

ما يجمع هذه التجارب ليس نجاح التسويات دائمًا، بل إدراك لحظة التحول. حين يصبح الصراع وسيلة لإعادة إنتاج نفسه، يفقد معناه الأخلاقي مهما كانت بدايته عادلة. السودان اليوم يقف عند هذا المفترق. القوى المدنية والثوريون موزعون بين معسكرات مختلطة الأوراق. بعضهم احتمى بالجيش خوفًا من التفكك، بعضهم انجذب إلى الدعم السريع بدافع الانتقام من قهر قديم، بعضهم انسحب إلى طهرانية أخلاقية ترفض الجميع، وبعضهم غرق في حسابات مواقع ومناصب. كثيرون لا يتحركون حبًا في طرف، بل كرهًا أشد للطرف الآخر. هذا ليس تبريرًا، بل توصيف نفسي وسياسي للحظة.

الخطر الحقيقي ليس في اختلاف المواقف، بل في غياب انتظام جامع. علم السياسة يعلّمنا أن الفراغ أخطر من الخصم. حين لا تبني القوى المدنية إطارًا مشتركًا، ولو هشًا، تترك الساحة كاملة لعسكر واقتصاد حرب وشبكات مصالح لا تحتاج إلى إجماع كي تعمل. وحين يتحول شعار “لا للحرب” إلى صرخة بلا أدوات، يفقد قدرته على الحماية، مهما كان صادقًا.

السلام، كما الثورة، لا يولد من النقاء وحده، بل من القدرة على التقاط اللحظة التاريخية. ليس المطلوب أن ننسى الدم، ولا أن نساوي بين الجلاد والضحية، بل أن نسأل السؤال الأصعب: كيف نمنع الدم من أن يصبح هو اللغة الوحيدة؟ كيف نحمي المجتمع من أن ينكسر إلى هويات متقاتلة؟ كيف نعيد السياسة من حافة الأخلاق المطلقة إلى أرض الفعل الممكن؟

الديسمبريون في الداخل والخارج يملكون خبرة نادرة: خبرة صنع وحدة عابرة للاختلاف. هذه الخبرة لم تُستثمر بعد في معركة السلام. لا لأن الناس فقدوا القيم، بل لأنهم فقدوا الثقة. واستعادة الثقة لا تبدأ بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل بالخوف، وببناء مساحات تنظيم مرنة، لا تختطفها العسكرة ولا تقتلها الطهرانية.

إذا كانت ديسمبر قد نجحت لأننا عرفنا متى نتقدم معًا، فإن السلام سينجح فقط إذا عرفنا متى نؤجل معاركنا الداخلية. ليس إلى الأبد، بل إلى أن يبقى من يخوضها. هذه ليست دعوة للتنازل عن الحلم، بل لحمايته من أن يتحول إلى شاهد قبر.

التغيير

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات