الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف نفهم اختلافنا؟ عن نظرية الألعاب: حين تصبح السياسة فنّ تقليل الخسائر...

كيف نفهم اختلافنا؟ عن نظرية الألعاب: حين تصبح السياسة فنّ تقليل الخسائر بقلم د.ناهد محمد الحسن

سودان تمورو:

نميل، في لحظات الانقسام، إلى تفسير الخلاف السياسي بوصفه صراعًا بين أخيار وأشرار، أو بين وطنيين وانتهازيين. هذا التفسير مريح نفسيًا، لكنه فقير تحليليًا. فالسياسة — في جوهرها — ليست ساحة فضيلة، بل ساحة اختيارات صعبة تحت تأثير الخوف.
هنا بالضبط تظهر فائدة ما يُسمّى نظرية الألعاب.
نظرية الألعاب لا تسأل: من على حق؟ بل تسأل: كيف يتصرف الناس حين تكون نتائج أفعالهم متشابكة، وحين لا يملك أحد السيطرة الكاملة على النتيجة؟ هي محاولة لفهم السلوك البشري عندما يكون كل فاعل مضطرًا أن يحسب حساب غيره. مثال بسيط: قريتان على ضفتي نهر. كل واحدة تحتاج جسرًا. إن بنتا الجسر معًا، عبر الجميع.
إن انتظرتا بعضهما، بقيا عالقتين. إن بنت إحداهما وحدها، عبرت الأخرى مجانًا. ما المشكلة هنا؟
أن القرار “الأخلاقي” (البناء) قد يكون القرار “الخاسر” إن لم يضمن الآخر الالتزام. هذا بالضبط ما يحدث في السياسة. القوى المدنية، أو الأحزاب، أو الحركات الثورية، لا تتحرك فقط وفق ما تراه صوابًا، بل وفق ما تتوقعه من الآخرين. الخوف ليس من الاتفاق، بل من أن تكون الطرف الوحيد الذي التزم. لهذا تتعطل المبادرات. ولهذا يفشل كثير من “النداءات للوحدة”.
في نظرية الألعاب، هناك مفهوم محوري يُسمّى توازن ناش. وهو ليس انتصارًا، ولا عدالة كاملة، بل حالة يقول فيها كل طرف: “هذا ليس أفضل ما أريده، لكنه أفضل ما يمكنني تحمّله دون أن أخاطر بخسارة أكبر.”
بعبارة أخرى: نصل إلى نقطة يتوقف فيها الجميع عن التصعيد، لأن أي خطوة إضافية ستؤذي صاحبها قبل أن تؤذي الآخرين.
السياسة الواقعية تُدار غالبًا بهذه الطريقة، لا بالشعارات. لنأخذ مثالًا تاريخيًا: أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
العالم كان على شفا حرب نووية. لم يتراجع كينيدي ولا خروتشوف لأن أحدهما “أدرك خطأه الأخلاقي”، بل لأن كليهما فهم أن التصعيد سيقود إلى خسارة لا يمكن احتمالها. النتيجة لم تكن نصرًا لطرف، بل توازن رعب عقلاني منع الكارثة.
وفي جنوب أفريقيا، لم تسقط العنصرية لأن البيض اقتنعوا فجأة بالعدالة، ولا لأن السود انتصروا عسكريًا، بل لأن الطرفين وصلا إلى لحظة أدرك فيها كلٌّ منهما أن استمرار اللعبة القديمة سيقود إلى خراب شامل.
تم تصميم انتقال يجعل التعايش أقل كلفة من الإقصاء.
حتى في تجارب فاشلة، كاتفاق الطائف في لبنان، نرى الفكرة ذاتها:
لم يُنهِ الطائف الصراع لأنه عادل، بل لأنه خلق توازنًا مؤقتًا جعل الحرب أقل ربحًا من السلم.
المشكلة لم تكن في التوازن، بل في عدم تطويره لاحقًا.
فإتفاق الطائف هو الاتفاق السياسي الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ووقّع عليه قادة البرلمان اللبناني في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية عام 1989، ودخل حيّز التنفيذ فعليًا عام 1990.
وقد سبقته حرب أهلية لبنانية طويلة (1975–1990). و تميزت بصراع طائفي مسلح، تدخلات إقليمية، وانهيار مؤسسات الدولة استحالة الحسم العسكري لأي طرف
ماذا فعل اتفاق الطائف؟
لم يكن “حلًا جذريًا” بقدر ما كان وقفًا للنزيف عبر إعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية. أوقف الحرب وأنهى الاقتتال المسلح رسميًا، أعاد توزيع السلطة الطائفية، كما نقل جزءًا كبيرًا من صلاحيات رئيس الجمهورية (الماروني) إلى مجلس الوزراء. و عمل على تكريس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان.
و بالتالي أكد على وحدة لبنان وشرعية الدولة. و قد تضمنت نصوصه على بند حلّ الميليشيات، و الذي (نُفّذ جزئيًا).
وشرعن الوجود السوري مؤقتًا بوصفه “ضامنًا للاستقرار” آنذاك.
لماذا نجح؟
في تقديري نجح الانفاق لأن جميع الأطراف وصلت إلى قناعة أن الحرب أصبحت أعلى كلفة من التسوية. و
لأنه صنع توازنًا سياسيًا يمنع الإقصاء الكامل. ولأنه قدّم حدًا أدنى مقبولًا للجميع (توازن ناش سياسي)
ولماذا يُنتقد؟
لأنه أوقف الحرب دون معالجة جذورها. و قام
بتجميد النظام الطائفي بدل تفكيكه.
لأنه في الحقيقة حوّل “التوافق” إلى شلل دائم. اعاق استكمال السلام عبر إصلاحات بنيوية لاحقة كانت ضرورية.الخلاصة اتفاق الطائف، نجح كاتفاق لإنهاء حرب. لكنه فشل كمشروع لبناء دولة عادلة ومستقرة على المدى الطويل. ولهذا يُستشهد به كثيرًا كنموذج يعلّمنا درسًا مهمًا: السلام الذي يوقف السلاح دون أن يعالج البنية التي أنتجته،
يشتري الوقت… لكنه لا يشتري المستقبل.
ما الذي نتعلمه من كل هذا؟ أن الخلافات السياسية لا تُحل بإثبات من هو “الأصدق ثوريًا”،
بل بتغيير هيكل اللعبة نفسها. حين تكون السياسة لعبة صفرية:
إما أنا أو أنت، يتحوّل الجميع إلى مقامرين،
ويخسر البلد. وحين تُصمَّم كل المبادرات بحيث يتحمّل طرف واحد كلفة التنازل، فلن يتنازل أحد.
نظرية الألعاب تعلّمنا أن الاتفاقات الناجحة لا تقوم على الثقة وحدها،
بل على قواعد تجعل الخيانة غير مربحة،
وتجعل الالتزام الخيار الأقل كلفة.
في السياق السوداني، كثير من الخلافات بين القوى المدنية يمكن فهمها بهذه الطريقة:
الخوف من الإقصاء بعد التنازل/ الخوف من فقدان القاعدة/ الخوف من أن يستثمر الآخرون في ضعفك/ الخوف من أن تُكتب النهاية دونك.
هذه مخاوف سياسية، لا عيوب أخلاقية. والتعامل معها يتطلب ضمانات، لا خطب/ مراحل لا قفزات/
توزيعًا متوازنًا للمخاطر/
وآليات تُحوّل التعاون من “مغامرة” إلى “خيار عقلاني”.
حين نفهم السياسة بهذا المنظار، يتغير السؤال من: لماذا لا يتفقون؟
إلى: كيف نجعل الاتفاق أقل كلفة من الصراع؟
وهذا هو جوهر توازن ناش. و ربما يسأل سائل: من هو جون ناش؟ ولماذا تهمنا قصته؟ جون ناش لم يكن سياسيًا، ولا مفاوضًا، ولا رجل دولة.
كان رياضيًا شابًا، شديد الذكاء، شديد العزلة، يعيش في عالم الأرقام أكثر مما يعيش مع البشر.
في خمسينيات القرن الماضي، طرح سؤالًا بسيطًا ومزعجًا في آن واحد: ماذا يحدث حين يتصرف كل فرد بعقلانية، لكن الجميع يخسرون؟ قبل ناش، كانت النظريات الاقتصادية والسياسية تفترض أن أفضل نتيجة تتحقق عندما يسعى الجميع إلى “الخيار الأفضل” لكل واحد على حدة. ناش قال العكس:
أحيانًا، سعي كل طرف إلى مصلحته القصوى، يقود إلى نتيجة أسوأ للجميع. هكذا وُلد مفهوم توازن ناش: نقطة لا يربح فيها أحد بالكامل،
لكن لا يملك أحد حافزًا لكسرها، لأن أي محاولة فردية للتحسين ستقود إلى خسارة أكبر. المفارقة أن ناش نفسه لم يعش حياة متوازنة. أصيب بالفصام، وانسحب سنوات طويلة من العالم الأكاديمي، يعيش على الهامش، يُنظر إليه كعبقري ضائع.
لكن فكرته ظلّت تعمل بصمت، في الاقتصاد، في العلاقات الدولية،
في سباق التسلح النووي،
وفي مفاوضات السلام،
وفي تصميم الدساتير الانتقالية.
حين نقرأ السياسة اليوم عبر نظرية الألعاب، فنحن لا نستعير أداة غربية للتجميل الفكري،
بل نستخدم عدسة تساعدنا على فهم لماذا يفشل العقل الأخلاقي وحده، ولماذا لا يكفي أن نكون “على حق” كي ننتصر. جون ناش لم يقل إن البشر طيبون، ولا افترض أنهم عقلاء دائمًا،
لكنه قدّم فكرة أكثر تواضعًا وأكثر واقعية:
إذا لم نستطع تغيير البشر،
فلنغيّر قواعد اللعبة.
وهذا بالضبط ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من الحرب: قواعد تجعل أسوأ السيناريوهات أقل احتمالًا.وتجعل التعاون – حتى بين خصوم لا يثقون ببعضهم – خيارًا عقلانيًا، لا مقامرة أخلاقية. ليس علينا أن نحب بعضنا. بل أن نفهم أن استمرار العداء يكلّفنا أكثر مما نحتمل.
نظرية الألعاب لا تُبرر الانتهازية، لكنها تفضح سذاجة الخطاب الأخلاقي حين يُترك وحده. وهي تذكّرنا بحقيقة قاسية: أن السلام لا يُبنى فقط على النوايا الطيبة، بل على هندسة ذكية تجعل أسوأ البشر، يتصرفون كما لو كانوا عقلانيين.
وفي بلد أنهكته الحرب،
ربما تكون هذه الحكمة الباردة، أكثر إنسانية
من ألف شعار مشتعل.

التغيير

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات