سودان تمورو
في تصريح لا يخلو من دلالات التخبط السياسي، أطل علينا الرئيس الأميركي دونالد ترامپ عبر مقابلة مع صحيفة “نيويورك بوست”، مسوقاً لادعاء جديد مفاده أن المحادثات مع إيران قد تُستأنف في غضون يومين في العاصمة الباكستانية. هذا التصريح، لمن يقرأ المشهد الجيوسياسي بعين فاحصة مجردة من الانحيازات، ليس سوى إعلان غير مباشر عن سقوط ورقة التوت التي حاولت الإدارة الأميركية التستر بها، وتأكيد صارخ على أن التهديدات السابقة، وفي مقدمتها ما سُمي بـ “المحاصرة البحرية”، لم تكن سوى ادعاءات تفتقر إلى أدنى مقومات المنطق العسكري أو الاقتصادي. فمفهوم الحصار الحقيقي يقتضي عزل الكيان المستهدف بالكامل، وهو أمر يثير السخرية عند الحديث عن دولة بحجم إيران، تمتلك آلاف الكيلومترات من الحدود البرية المفتوحة، وتستعد لضخ 174 مليون برميل من النفط في عروق التجارة البحرية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
إن المتأمل في هذا التحول المفاجئ نحو لغة الحوار، يدرك تماماً أن الإخفاق الذي تجرعته واشنطن في مواجهتها المفتوحة مع طهران، لم يترك لصانع القرار الأميركي خياراً سوى ممارسة هواية كسب الوقت، ومحاولة خلط الأوراق وتغيير مسرح العمليات. بل إن حالة التخبط بلغت حد افتعال أزمات جانبية وإطلاق تصريحات عبثية وصلت إلى حد التطاول على قامات دينية عالمية كالبابا، في محاولة بائسة لصرف الأنظار عن العجز الحقيقي في الميدان. هذه المناورات المكشوفة تعكس أزمة عميقة في صلب الاستراتيجية الأميركية التي باتت تبحث عن أي طوق نجاة إعلامي يعفيها من الاعتراف بالقصور.
بيد أن هذا المشهد المأزوم في واشنطن، يجب ألا يُقرأ في الأروقة الإيرانية باعتباره انتصاراً دبلوماسياً جاهزاً للقطاف. فرسالة المراقب العربي للمشهد تتلخص في تحذير جاد للمسؤولين في طهران: إن الهرولة الأميركية نحو طاولة المفاوضات لا تعني بأي حال من الأحوال استعداداً لتقديم تنازلات حقيقية أو استسلاماً للإرادة الإيرانية. فالواقع أن واشنطن، سواء تربع على عرشها ترامب أو تسلم زمامها الديمقراطيون، تتبنى عقيدة ثابتة في إدارة هزائمها؛ فهم يفضلون دوماً إغراق الخصم في بحر من الوعود المؤجلة والتنازلات الوهمية على طاولة مفاوضات لا تنتهي، بدلاً من تجرع مرارة الاعتراف بالهزيمة في ساحة المعركة الحقيقية. إنها ببساطة استراتيجية استبدال الخسارة المدوية في الميدان، بانتصار زائف على ورق المفاوضات.
