الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتركيا كمركز تجميع لا كملاذ: لماذا تفشل “الصيغة الجولانية” في السودان؟ بقلم...

تركيا كمركز تجميع لا كملاذ: لماذا تفشل “الصيغة الجولانية” في السودان؟ بقلم عبدالحافظ سعد الطيب

سودان تمورو:

في الكواليس لا في العلن، تبدو تركيا اليوم مساحة تجميع لا ملاذًا سياسيًا فقط.
تتواتر الإشارات حول تلاقي قيادات من تنظيم الحركة الإسلامية السودانية في إسطنبول، بعد الانفجار الداخلي الذي أصاب التنظيم وفقدانه لمراكزه التقليدية داخل السودان.
هذا التجمّع لا يمكن قراءته بوصفه نشاطًا ذاتيًا معزولًا، بل كحراك يجري تحت عين فاعل دولي حاضر بالمراقبة والتأطير، إن لم يكن بالتوجيه غير المباشر.
في هذا السياق، تكتسب تحركات شخصيات أمنية مثل محمد عطا، وتنقّلاته بين الولايات المتحدة وتركيا، وعودة اسم صلاح قوش إلى التداول، دلالتها بوصفها مؤشرات على إعادة فتح قنوات قديمة.
هذه القنوات لا تهدف إلى إحياء التنظيم أيديولوجيًا، بل إلى اختبار أدوار وظيفية محتملة في مشهد إقليمي مضطرب، تُدار فيه الأزمات بمنطق إدارة المخاطر لا حلّها، وبمنع الفوضى غير المنضبطة لا ببناء الاستقرار الحقيقي.
البراغماتية الأمريكية وحدودها
ليست لدى الولايات المتحدة مشكلة مبدئية مع “الإرهاب” كتصنيف أخلاقي؛ فقد استخدمته تاريخيًا بأشكال متعددة، وجرى التفاوض مع قوى مصنّفة، وغُضّ الطرف عن أخرى، ثم جرى التخلص منها حين انتهت وظيفتها.
لكن هذا الاستخدام يفترض شرطًا أساسيًا: وجود فاعل منضبط يمكن التحكم به.
هنا تبدأ المعضلة السودانية.
لماذا تُطرح “الصيغة الجولانية”؟ ولماذا تفشل؟
تقوم ما يُعرف بالصّيغة الجولانية على تحويل فصيل جهادي مصنّف إلى سلطة أمر واقع منضبطة:
تضبط الأرض، تمنع الفوضى العابرة للحدود، تغيّر خطابها من الأممي إلى المحلي، وتقدّم نفسها كشريك أمني مؤقت.
هذا النموذج نجح جزئيًا في سوريا لأسباب بنيوية واضحة: وحدة القيادة، حسم السلاح، جغرافيا محدودة، راعٍ إقليمي مباشر، وعدوّ مشترك.
أما في السودان، فالمقارنة تنهار من أساسها.
الحرب هنا حرب سيولة لا تمركز؛ لا جبهات ثابتة، ولا عدوًا واحدًا، ولا أرضًا قابلة للضبط.
السلاح منتشر أفقيًا، والتحالفات مؤقتة وانتهازية، والاقتصاد الحربي مستقل عن أي مركز قرار.
تنظيم الحركة الإسلامية نفسه لم يعد تنظيمًا متماسكًا، بل شبكة متآكلة بلا طاعة داخلية ولا احتكار للسلاح ولا خطاب موحّد.
ما انفجر داخله ليس خلافًا تكتيكيًا، بل صراع بقاء وملفات وحماية ذات.
المجتمع والعسكر: عقدة الاستحالة
في سوريا، كان المجتمع المدني مُدمّرًا والسياسة ميتة، فقبل الناس “الأمن بأي ثمن”.
في السودان، ورغم الحرب، لا يزال المجتمع السياسي حيًا، والذاكرة الثورية نشطة، والوعي بطبيعة التنظيم عميقًا.
أي محاولة لإعادة تدويره ستواجه رفضًا اجتماعيًا وسياسيًا فوريًا.
أما العسكر والمليشيات، فهم عقدة الاستحالة الكبرى:
جيش منقسم، مليشيات متعددة، قيادات ميدانية لا تتبع أحدًا، ولا جهة تملك القدرة على نزع السلاح أو توحيده أو ضبطه.
من دون ذلك، لا شريك أمني، ولا صيغة احتواء، ولا “جولاني سوداني”.
تركيا: مسهّل لا مهندس
نجحت تركيا في سوريا لأنها كانت تملك الأرض والحدود والتمويل وأدوات الفرض.
في السودان، لا تملك سوى العلاقات واللقاءات.
واللقاءات لا تصنع سلطة أمر واقع.
لذلك، فإن دور أنقرة – إن وُجد – يظل في إطار الاستضافة وتسهيل التواصل، لا هندسة تسوية أو إعادة تركيب تنظيم منهار.
الخلاصة
قد تخطر فكرة إعادة تدوير الإسلاميين في أذهان بعض الفاعلين الدوليين، وقد تُستخدم تركيا كمنصة تواصل، وقد تكون أمريكا براغماتية إلى أبعد الحدود.
لكن “الصيغة الجولانية” في السودان ليست غير ممكنة، بل مستحيلة بنيويًا:
لا فاعل منضبط، لا أرض قابلة للضبط، لا مجتمع قابل للصمت، ولا سلاح قابل للتوحيد.
الجولاني نجح لأنه سيطر على تنظيمه ثم على أرضه.
أما في السودان، فالتنظيم فقد السيطرة على نفسه، والأرض نفسها تتحرك وتقاتل.

إذا رغبت، يمكنني تنسيق النص نفسه للنشر الصحفي أو للإرسال بالبريد أو لمنصات التواصل دون المساس بالمحتوى.

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات