سودان تمورو
يُدار العالم المعاصر ضمن بنية هرمية غير متكافئة، تتوزع فيها القوة والموارد بين دول مركز تملك أدوات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والمعرفية، ودول هامش تُستنزف مواردها وتُعاد صياغة سياساتها من الخارج، وبينهما دول شبه هامش تلعب دور الوسيط الوظيفي، فتسعى إلى تعظيم مكاسبها داخل النظام دون كسره. في قلب هذا التصور، الذي بلورته نظرية النظم العالمية، تقف الولايات المتحدة بوصفها قائد منظومة المركز، لا تمارس السيطرة المباشرة بقدر ما تُديرها عبر التفويض، وتوزيع الأدوار، وإدامة التنافس بين وكلاء إقليميين يضمنون استمرار التدفق الآمن للمصالح الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة.
منذ سبعينيات القرن الماضي، تكرّست المملكة العربية السعودية بوصفها الوكيل الإقليمي الأهم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستندة إلى مزيج نادر من الثقل النفطي والشرعية الدينية والقدرة المالية، وهو مزيج منحها موقعاً متقدماً داخل فضاء دول شبه الهامش. هذا الموقع لم يكن ثابتاً ولا محصناً، إذ شهدت المنطقة محاولات متكررة من قوى إقليمية لمنازعة الرياض على صفة “الوكيل الأول لأمريكا”، في إطار سباق على النفوذ لا ينفصل عن منطق المركز ذاته. وقد مثّلت الأزمة الخليجية عام 2017 نموذجاً كاشفاً لهذا الصراع، حين سعت قطر إلى توسيع مجالها الحيوي عبر الاستثمار في القوة الناعمة وبناء شبكات نفوذ سياسية وإعلامية عابرة للحدود، ما قوبل برد فعل سعودي–إماراتي عنيف هدفه إعادة ضبط التراتبية الإقليمية وكبح أي طموح يخرج عن المسار المرسوم.
غير أن التحالف الذي تشكّل لاحتواء قطر لم يلبث أن دخل طور التآكل، لتتحول العلاقة بين الرياض وأبوظبي من شراكة وظيفية إلى منافسة بنيوية على القيادة الإقليمية. هذا التحول لا يمكن اختزاله في خلافات اقتصادية أو تباينات تكتيكية، بل يعكس صراعاً أعمق على تعريف الدور، وحدود التفويض، ومن يمتلك حق تمثيل المنطقة أمام المركز. فالسعودية، بما تملكه من عمق ديمغرافي ورمزي وتاريخي، تسعى إلى تثبيت هيمنة أحادية تعيد إنتاج موقعها التقليدي، بينما تراهن الإمارات على نموذج مختلف يقوم على الكفاءة الاقتصادية، والمرونة الدبلوماسية، وبناء شبكات نفوذ متعددة المستويات، بما يسمح لها بتجاوز قيود الحجم والجغرافيا.
في هذا السياق تبرز سيناريوهات متعددة لمآلات الصراع. أحدها يتمثل في قدرة السعودية على تحجيم الطموح الإماراتي وإعادة فرض زعامة منفردة للمنطقة، مستندة إلى ثقلها الشامل داخل النظام الإقليمي. والآخر وهو الأرجح، يتمثل في تشكل وضع إقليمي متعدد الأقطاب، تُستنزف فيه القوى الكبرى المتنافسة، بما يفتح المجال لعودة أدوار فاعلة لقوى أخرى مثل قطر وتركيا، ويُنتج توازناً هشاً قائماً على التنافس الدائم تحت المظلة الأمريكية. في كلا الحالتين تبقى الولايات المتحدة المستفيد الأكبر، إذ يسمح لها هذا التنافس بتعظيم المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية، وفرض شروط أفضل على حلفائها، ومنع تشكل أي اصطفاف إقليمي مستقل قد يهدد موقعها القيادي.
لكن الوجه الآخر لهذا المشهد هو الكلفة الإقليمية الباهظة التي تدفعها دول الهامش. فاليمن تحوّل إلى ساحة استنزاف مفتوحة، وليبيا غرقت في التفكك، والسودان يواجه مساراً مدمراً من الانهيار، فيما كادت مصر أن تنزلق إلى مصير مشابه لولا توازنات داخلية وخارجية معقدة. هذه الجغرافيا الممزقة ليست نتاج صراعات محلية بقدر ما هي انعكاس مباشر لمنطق الوكالة والتنافس على رضا المركز، حيث تتحول الدول والمجتمعات إلى أدوات في لعبة أكبر منها.
إن استمرار هذا المسار لا يعدو كونه إعادة إنتاج للتبعية بأشكال أكثر عنفاً وتعقيداً. ومصلحة المنطقة إن كانت ثمة فرصة للخروج من هذا النفق، تكمن في تجاوز منطق “الوكيل المتنافس” نحو بناء صيغ تعاون إقليمي مستقل، تُعيد تعريف الأولويات على أساس التنمية والأمن الجماعي، لا على أساس خدمة صراعات المركز. دون ذلك سيظل النظام الهرمي قائماً، وستبقى شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر في معركة لا تُخاض من أجلها، بل فوق أراضيها.
