سودان تمورو:
تحت عنوان: التراث السوداني.. كنز مهدَّد بسبب الحرب، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في تحقيق لها، إن الحرب الدائرة في السودان لا تستهدف البشر وحدهم، بل تطال ذاكرة البلاد وهويتها، عبر تدمير ونهب ممنهج للتراث الثقافي، وفي مقدمته المتحف القومي السوداني في الخرطوم، الذي تحوّل إلى شاهد صامت على ما وصفه مسؤولون سودانيون بمحاولة “محو التاريخ”.
سلّطت الصحيفة الفرنسية الضوء على تمثال ضخم من الغرانيت الأسود، يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار ويزن سبعة أطنان، ظلّ واقفاً في مكانه كـ“حارس عاجز” لمملكة نُهبت آثارها. ونقلت عن جمال محمد زين، الموظف في المتحف منذ أكثر من ثلاثة عقود، قوله إن المشهد الذي رآه، عند عودته إلى المتحف في نهاية شهر مارس الماضي، عقب استعادة الجيش السوداني لوسط الخرطوم، كان مشهداً “كارثياً”، إذ تناثرت القطع الأثرية على الأرض واختلطت ببقايا الحرب.
وأشارت “لوموند” إلى أن المتحف، الذي تم افتتاحه عام 1971 على ضفاف النيل الأزرق، كان يضم نحو مئة ألف قطعة أثرية تغطي تاريخ السودان من عصور ما قبل التاريخ حتى الحقبة الإسلامية، مروراً بالحضارة النوبية والمسيحية، ولا سيما مملكة كوش، بانية أهرامات السودان. غير أن المتحف ظل محتلاً حوالي عامين من قبل قوات الدعم السريع، التي حوّلت سطحه إلى موقع للقناصة بسبب موقعه الاستراتيجي في حي المقرن.
كما لفتت الصحيفة إلى أن جميع أبواب المتحف كُسرت، وأن المخازن التي تضم أندر القطع تعرّضت للنهب الكامل. ونقلت عن جمال محمد زين قوله إن الصناديق فُتحت وقُلبت، وإن بعض الأواني الفخارية وُضعت عمداً وأُطلقت عليها النار كما لو كانت أهدافاً في ميدان تدريب.
كما أكدت “لوموند” أنه تم فقدان حتى الآن أكثر من أربعة آلاف قطعة أثرية، من بينها كامل محتويات “غرفة الذهب” الكوشية التي كانت تضم حُليّاً ومجوهرات نادرة لملوك وملكات النوبة. كما تم نهب مئات التماثيل الجنائزية النبطية، وسرقت مومياوات يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد، وهي من الأقدم في العالم.
رحاب خضير، المسؤولة عن لجنة تقييم الأضرار: ما جرى “ليس مجرد سرقة، بل اعتداء على هوية السودان نفسها. وعناصر من الدعم السريع وثّقوا بأنفسهم عمليات النهب عبر مقاطع مصوّرة، ويعكس ذلك شعوراً مطلقاً بالإفلات من العقاب”
ونقلت الصحيفة عن الدكتورة رحاب خضير، المسؤولة عن لجنة تقييم الأضرار، قولها إن ما جرى “ليس مجرد سرقة، بل اعتداء على هوية السودان نفسها”. وأشارت إلى أن عناصر من قوات الدعم السريع وثّقوا بأنفسهم عمليات النهب عبر مقاطع مصوّرة، معتبرة أن ذلك يعكس “شعوراً مطلقاً بالإفلات من العقاب”.
وأضافت “لوموند” أن محاولات جرت للتواصل مع قيادة قوات الدعم السريع عبر وسطاء، لإيصال رسالة مفادها أن التراث الثقافي خط أحمر لا علاقة له بالصراع العسكري، إلا أن تلك الوعود لم تُترجم إلى أفعال.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن ما يحدث يتجاوز التخريب العرضي، إذ ترى شخصيات ثقافية سودانية أن نهب المتاحف يُستخدم كسلاح في الحرب، بهدف طمس الهوية السودانية واستبدالها.
ونقلت “لوموند” عن إخلاص عبد اللطيف، مديرة المتاحف في الهيئة القومية للآثار، قولها إن هناك أدلة على خروج شاحنات محمّلة بقطع أثرية من الخرطوم باتجاه غرب البلاد، وإن محاولات بيع جارية في دول مجاورة مثل مصر وتشاد والإمارات وإثيوبيا وجنوب السودان.
وسلّطت الصحيفة الضوء أيضاً على اتساع دائرة الاستهداف، إذ لم يقتصر النهب على الخرطوم، بل طال متاحف في أم درمان، ومواقع أثرية قرب أهرامات مروي، إضافة إلى تدمير قصور تاريخية في دارفور، في سياق أعمال عنف وصفتها مصادر محلية بأنها ذات طابع إبادي.
وبحسب تقديرات رسمية نقلتها “لوموند”، فإن الخسائر التي لحقت بالمتاحف السودانية تُقدّر بنحو 110 ملايين دولار. وفي المقابل، أشارت إلى أن فرق المتحف القومي، بدعم من اليونسكو، بدأت سباقاً مع الزمن لجرد المفقودات ورقمنة المجموعات، تمهيداً لإطلاق “متحف افتراضي” يهدف إلى حماية التراث ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار.
كما أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن العاملين في المتحف يحتفظون اليوم ببقايا الذخائر والأسلحة التي وُجدت داخله، لا لإخفائها، بل لعرضها مستقبلاً، بوصفها دليلاً مادياً على مرحلة حاول فيها العنف أن يمحو تاريخ أمة بأكملها.
