سودان تمورو:
في الوقت الذي يرزح فيه التعليم السوداني تحت أثقال الحرب، والانهيار الاقتصادي، وهجرة المعلمين، وتردي البيئة المدرسية، تطفو على السطح واحدة من أخطر قضايا الفساد الإداري المقنَّع: استمرار بعض المحالين للمعاش في شغل وظائف قيادية تنفيذية داخل وزارة التربية والتعليم، في تحدٍ صريح للقوانين واللوائح المنظمة للخدمة العامة.
هذه القضية لا تتعلق بأشخاص بعينهم بقدر ما تتعلق بانتهاك مؤسسي خطير، ينسف مبدأ سيادة القانون، ويغلق أبواب التجديد أمام الكفاءات، ويحوّل مؤسسات التعليم إلى إقطاعيات مغلقة تُدار بالعلاقات لا بالاستحقاق.
المعاش ليس خيارًا… بل حكم قانوني
القوانين واللوائح المنظمة للخدمة المدنية في السودان واضحة ولا تحتمل التأويل:
الإحالة للمعاش تعني انتهاء الصفة الوظيفية، وسقوط أي سلطة تنفيذية مرتبطة بها، ولا يجوز – تحت أي ذريعة – الاستمرار في ممارسة مهام قيادية إلا وفق تعاقد قانوني معلن، محدد المدة، ومعلوم الشروط، وهو ما لا يتوفر في الحالات التي نكشفها اليوم.
من الاتحادي إلى الولائي… الخلل واحد
تشير المعلومات والوقائع الموثقة إلى استمرار محالين للمعاش في مواقع قيادية حساسة، من بينها:
وكيل وزارة التربية والتعليم الاتحادية،
مدير عام التعليم بولاية الخرطوم،
إدارة مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة
ومدير المرحلة الثانوية بمحلية كرري.
وهي مواقع تصنع القرار، وتتحكم في التعيينات، والتنقلات، والميزانيات، والسياسات التعليمية، ما يجعل استمرار شاغليها بعد المعاش خرقًا جسيمًا لا يمكن التعامل معه كخطأ إداري عابر.
لماذا يُسمح بهذا الانتهاك؟
السؤال الجوهري ليس فقط: من بقي في موقعه رغم المعاش؟
بل: من سمح؟ من غطّى؟ من استفاد من تعطيل القانون؟
هل نحن أمام عجز إداري؟
أم شبكة مصالح تخشى المساءلة فتتمسك بالكراسي؟
أم إرادة سياسية ترى في التعليم ملفًا ثانويًا لا يستحق الانضباط القانوني؟
الأثر المدمر على التعليم
استمرار هذا الوضع يعني عمليًا:
تجميد الدماء الجديدة والكفاءات الشابة.
وضرب مبدأ تكافؤ الفرص داخل الوزارة
وتحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز نفوذ شخصية.
وفقدان الثقة في الدولة وقوانينها
وتكريس الفوضى الإدارية التي يدفع ثمنها التلميذ والمعلم معًا
لسنا في حملة تشهير… بل معركة قانون
نؤكد بوضوح:
ما نقوم به عمل استقصائي مهني، هدفه حماية التعليم، لا تصفية الحسابات.
وعليه، سنقوم بنشر القوائم تباعًا، مدعومة بالتواريخ، والمستندات، والنصوص القانونية ذات الصلة، ونضعها أمام الرأي العام، والجهات العدلية، وأجهزة الرقابة.
كلمة أخيرة
إذا كانت وزارة التربية – وهي المعنية بتعليم الأجيال معنى القانون والانضباط – أول من ينتهكه، فكيف نطلب من الطلاب احترام الدولة؟
إن معركة إصلاح التعليم تبدأ من تنظيف قمته، وإعادة الاعتبار للقانون، دون خوف أو مجاملة.
يتبع… والقوائم قادمة.
الراكوبة
