الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتنصيب البرهان رئيسًا فوق الأنقاض بقلم أحمد عثمان جبريل

تنصيب البرهان رئيسًا فوق الأنقاض بقلم أحمد عثمان جبريل

سودان تمورو:

ليس حديث حلّ مجلس السيادة وتنصيب البرهان رئيسًا للجمهورية مجرّد تسريب سياسي عابر، بل تعبير فاضح عن مأزق سلطة تبحث عن مخارج شكلية فيما البلاد تغرق في حرب مفتوحة.. إنه فعل عبثي وقفز فوق الجراح ليس إلا.

ففي السودان اليوم، لا تُدار الدولة من مؤسساتها، بل من ساحات القتال وخيام النزوح، ومع ذلك تُطرَح ترتيبات حكم كأن المأساة قد انتهت، أو كأن ملايين المشرّدين تفصيل يمكن تجاهله.

❝ السلطة التي لا تواجه أزمتها الحقيقية، تُتقن فقط تغيير الأسماء فوق الخراب. ❞

— عبد الرحمن بدوي

(1)

طرح حلّ مجلس السيادة يعكس بوضوح فشل الصيغة الانتقالية وعجزها عن إنتاج شرعية حقيقية.. فالمجلس، منذ تكوينه، كان تسوية قسرية بين تناقضات لا تُدار ولا تُحل.. ومع تمدّد الحرب وانهيار السياسة، يجري الترويج لنموذج الرئاسة الفردية باعتباره حسمًا، بينما هو في الواقع ارتداد إلى منطق السيطرة لا منطق الدولة.

(2)

تنصيب البرهان رئيسًا (إن تم) — لن يكون ذلك فعلًا دستوريًا، بل إعلانًا رسميًا بنهاية الانتقال وبداية حكم الأمر الواقع.. انتقال صريح من خطاب الشراكة إلى خطاب القوة، ومن وهم التوافق إلى حقيقة الإملاء.. وربما تمنح تلك الخطوة السلطة تماسُك قرار مؤقت، لكنها في الحقيقة التي لا فكاك منها أنها يضع البلاد في مواجهة مباشرة مع سؤال الشرعية، داخليًا وخارجيًا، ومع كلفة عزلة سياسية لا تحتملها دولة منهكة.. منهكة في كل شيء.

(3)

ما يتم تداوله في الفضاء السيبراني بين صحافيين (وقيادات كيزانية) ثم يطلق في المنصات لاحقا؛ ليس نقاشًا حرًا بقدر ما هو عملية (جسّ نبض محسوبة).. تُطلق الفكرة لقياس ردود الفعل وسط: “شارع منهك، نخب منقسمة، إقليم مترقّب، وعواصم دولية تراقب”.. التسريب هنا أداة، لا صدفة، وتمهيد لاختبار ما يمكن تمريره تحت غطاء الحرب.

(4)

الأخطر من القرار نفسه هو السردية التي تُسوَّق له.. فإذا قُدِّم باعتباره ضرورة أمنية ملحة، سيُستدعى معها خطاب الاستقرار بأي ثمن، وإذا قُدِّم كتصحيح لمسار فاشل، فسيُعاد إنتاج منطق الانقلابات.. في الحالتين، الشعب ضائع، حين تُختزل الأزمة في شكل الحكم، بينما جوهرها هو الحرب التي تلتهم الدولة والمجتمع معًا.

(5)

كل هذا يجري فيما الحرب لم تتوقف، والملايين شُرّدوا داخل البلاد وخارجها، والاقتصاد ينهار، والنسيج الاجتماعي يتمزّق. وفي هذا المشهد، لا يبدو التلويح الأمريكي بحسم فوضى (الأنظمة الفاشلة) سوى إعلان نفاد صبر دولي، تُقاس فيه الكارثة السودانية بكلفة اللاجئين والفوضى الإقليمية، لا بحقوق شعبٍ منكوب.

(6)

الخطر الأكبر أن السودان يُعاد تصنيفه كملف أمني لا كدولة.. وعندما تُدار الدول بهذا المنطق، تُفرَض عليها حلول خشنة: “عزل، ضغط، أو مباركة ضمنية لـ”رجل قوي” يضمن الهدوء ولو على أنقاض السياسة.. عندها يصبح حل مجلس السيادة وتنصيب رئيس خطوة منسجمة مع الخارج، لكنها مفصولة تمامًا عن الواقع الداخلي.

(7)

أما “شعبنا الأبي” مصدر أي شرعية، فهو الغائب الأكبر.. مشرّد، جائع، محاصر بالخوف، لا يملك حتى حق الاعتراض. ومع ذلك تُتَّخذ القرارات باسمه. والحقيقة التي يجب قولها بوضوح هنا يا (أبها الكيزان): تجميل القبيح لن يصنع لكم مخرجًا.. فكل قرار لا يضع وقف الحرب في مقدمة أولوياته ليس حلًا، بل تأجيلًا، وشراء وقتٍ على حساب وطنٍ ينهار، وشعبٍ يُستنزَف بلا رحمة.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

 

التغيير

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات