سودان تمورو:
تُجسّد أزمة مدارس أبو ذر الكودة في القاهرة واحدة من أكثر صور الهشاشة التي يعيشها السودانيون الفارّون من الحرب، إذ تكشف كيف يمكن لانهيار المنظومات التعليمية في الوطن أن يدفع العائلات إلى خيارات محفوفة بالمخاطر، قبل أن تجد نفسها في مواجهة فراغ قانوني وواقع لا يرحم. فالقضية، التي طالت 165 عائلة سودانية، لا تتعلق فقط بمدرسة فشلت في الوفاء بالتزاماتها، بل تعكس أيضًا هشاشة وضع اللاجئين في بلد يستقبل مئات الآلاف منهم وسط تعقيدات قانونية وإدارية متزايدة.
وتعود جذور الأزمة إلى اكتشاف العائلات أن مدارس أبو ذر الكودة غير مقيدة ضمن المؤسسات التعليمية المعتمدة لدى وزارة التربية والتعليم المصرية، وهو ما حال دون استخراج أرقام الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية المصرية، رغم أن الطلاب درسوا المنهج المصري ودفع ذووهم مبالغ كبيرة مقابل ذلك. وتقول بعض الأسر إنهم فوجئوا بأن المدرسة لا تستوفي المعايير الفنية واللوائح السيادية التي تنظّم التعليم للأجانب، مضيفين أن مالك المدرسة «بدلًا من إيجاد حلول لجأ إلى تهديد العائلات بمقاضاتهم بتهمة إشانة السمعة»، في تعبير عن توتر العلاقة بين الإدارة والأهالي مع تفاقم الأزمة.
ومع انسداد الخيارات، لجأت العائلات إلى القضاء المصري، حيث أصدرت محكمة جنح العمرانية بمحافظة الجيزة حكمًا يقضي بسجن مؤسس المدرسة وثلاثة من شركائه لمدة ثلاث سنوات، مع كفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه لكل منهم. ويُعد هذا الحكم سابقة قانونية في أوساط المدارس السودانية في مصر، التي تواجه اشتراطات صارمة تتعلق بالمباني المدرسية، وتراخيص المناهج، والالتزام باللوائح المنظمة لتعليم الأجانب.
وتكشف تحقيقات المحكمة أن إدارة المدرسة أدارت مركزًا تعليميًا غير مرخص تحت اسم المستقبل، وزعمت قدرتها على استخراج أرقام جلوس رسمية لـ165 طالبًا، رغم أن بعضهم لا يحمل إقامات سارية، وهو ما يخالف القواعد السيادية المنظمة للتعليم في مصر. كما أفادت شهادات العائلات بأن المدرسة حصلت من كل طالب على 30 ألف جنيه، إضافة إلى رسوم تسجيل قدرها ألفا جنيه، ما يعني أنها جمعت ملايين الجنيهات رغم علمها المسبق بصعوبة تقنين أوضاع الطلاب.
ويشير أولياء الأمور، إلى أن الشريك المصري في المشروع حاول إجراء تسويات مع بعض العائلات، بينما أصر آخرون على التصعيد القضائي، وقد كسبوا بالفعل أولى الدعاوى من أصل ثلاث مرفوعة ضد إدارة المدرسة. ويعكس هذا الانقسام بين التسوية والمواجهة حجم الضغوط التي تتعرض لها الأسر، التي تجد نفسها بين الحاجة الملحّة لتعليم أبنائها والخوف من ضياع مستقبلهم الدراسي.
وتأتي هذه الأزمة في سياق أوسع يواجه فيه مئات الآلاف من السودانيين في مصر تحديات تعليمية وقانونية معقدة. فبينما يتركز الاستثمار التعليمي الخاص في القاهرة والإسكندرية، يعاني كثير من الطلاب من عوائق تتعلق بصحة الإقامات، وبطء إجراءات التسجيل لدى مفوضية اللاجئين، وارتفاع تكاليف التعليم الخاص. وفي ظل استمرار الحرب وانعدام اليقين بشأن العودة، تضطر العائلات السودانية، بما في ذلك المقيمة في دول الخليج، إلى اللجوء لمصر لضمان استمرار تعليم أبنائها، ويدفع بعضهم ما بين 1500 و2000 دولار عبر «السوق الموازي» للحصول على الموافقات الأمنية وتأشيرات الدخول منذ تشديد القيود في يونيو 2023.
كما استقطبت الجامعات المصرية الخاصة آلاف الطلاب السودانيين، حتى أولئك الذين كانوا يدرسون أو يقيمون في الخليج، بعد أن تضررت المؤسسات الأكاديمية في السودان جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف. وهكذا أصبحت مصر، رغم التحديات، وجهة تعليمية رئيسية للسودانيين الباحثين عن الحد الأدنى من الاستقرار الأكاديمي.
وتكشف هذه القضية، بكل تفاصيلها، عن هشاشة البنية التعليمية التي يعتمد عليها اللاجئون، وعن غياب آليات رقابة فعالة تحمي الأسر من الوقوع ضحية مؤسسات غير مرخصة. كما تطرح أسئلة أوسع حول مسؤولية الدول المضيفة في ضمان حق التعليم، وحول قدرة المجتمعات السودانية في الشتات على حماية أبنائها من الانقطاع الدراسي في ظل حرب لا يبدو أنها تقترب من نهايتها.
