سودان تمورو
في عالم كرة القدم، يُقاس النجوم عادةً بعدد الأهداف أو بالمراوغات، لكن هناك فئة نادرة من اللاعبين تُقاس قيمتهم بالقدرة على التحكّم في الإيقاع داخل الملعب وخارجه. ساديو ماني، النجم السنغالي، ليس مجرّد مهاجم سريع، بل هو الحالة التي حوّلت المنتخب السنغالي من فريق “ممتع لكنّه هشّ” إلى قوة قارية صلبة تعرف كيف تنتزع الألقاب من فكّ الأسود. لو عدنا بذاكرتنا إلى نهائي أمم أفريقيا 2021 أمام المنتخب المصري، سنجد ماني في اختبار نفسي لا يطيقه بشر. إهدار ركلة جزاء في الدقيقة السابعة أمام الحارس محمد أبو جبل، الذي كان يعيش أوج تألّقه، كان كفيلاً بإنهاء مسيرة أيّ لاعب في تلك الليلة وكسر معنوياته تماماً. لكنّ ماني لم يسقط في فخ لوم الذات؛ صمد طوال اللقاء وعاد في نهاية الملحمة ليسدّد ركلة التتويج التاريخية. تلك اللحظة لم تكن مجرّد “هدف”، بل كانت إعلاناً عن ولادة “هوية جديدة” للكرة السنغالية، هوية لا تستسلم للضغوط مهما كانت العثرات. في النسخة الأخيرة أمام المغرب، تجلّت عبقرية ماني في جانب لا يراه المحللون الفنيون عادةً. عندما وصلت المباراة إلى ذروة التوتر بقرار ركلة الجزاء الجدلية وتلويح المدرّب بالانسحاب، لم يكن ماني اللاعب الذي يُشعل النيران، بل كان “صمام الأمان”. دخوله في حوار مع زملائه وإقناعهم بالعودة إلى الميدان كان هو الهدف الحقيقي. لقد أدرك ماني أنّ الهروب سيلطّخ سمعة الجيل الذهبي، فأراد الفوز بشرف، وبذكائه استثمر التوقّف الطويل لصالحه؛ فبينما كان يهدّئ رفاقه، كان الضغط يتراكم على الخصم، وهو ما تجلّى في ضياع ركلة جزاء براهيم دياز لاحقاً. إرث يتجاوز العشب: “بامبالي” نموذجاً هذه الحكمة في الملعب ليست إلا انعكاساً لنبل إنساني فريد. ماني الذي يقود الأسود في الملاعب، هو نفسه الذي يقود نهضة قريته المسقط “بامبالي”. فبينما ينشغل النجوم بجمع القصور والسيارات، كان ماني يضخ أكثر من 693 ألف دولار لتمويل بناء مستشفى متكامل، وقبلها بنحو 350 ألف دولار لتشييد مدرسة تمنح أطفال قريته فرصة لم تكن متاحة له. وحتى في لحظات مجده الشخصي، مثل نهائي دوري أبطال أوروبا 2018، لم ينسَ جذوره؛ حيث أرسل 300 قميص لليفربول لأهالي قريته ليشعروا أنهم جزء من الحلم. ما يميّز ماني هو قدرته على التواري عن الأنظار عندما يتطلّب الأمر؛ ففي نهائي 2025 لم يسجّل هو الهدف، بل زميله باب غايي، تماماً كما يفضّل بناء المستشفيات بصمت بعيداً عن صخب الكاميرات. هو لا يبحث عن اللقطة بل عن الأثر. هذه الواقعية هي التي جعلت منه قائداً تاريخياً تجاوز بمراحل أسماءً رنّانة سبقت في تاريخ الكرة الأفريقية لكنها افتقرت لهذا الثبات والارتباط الوجداني بالوطن. لقد وضع ماني معايير جديدة للاعب الأفريقي “السوبر”؛ فهو لم يكتفي بالاحتراف في أوروبا، بل حمل آمال أمة كاملة على كتفيه. ساديو ماني هو القائد الذي لم يمنح السنغال الكؤوس فحسب، بل بنى لها المدارس التي تعلّم الأجيال، والملاعب التي تصنع الأبطال، ومنحهم قبل كلّ شيء الثقة في أنهم يستطيعون هزيمة أيّ منافس طالما أنّ هناك عقلاً هادئاً وقلباً نابضاً يدير الدفة وسط العاصفة.
