الأربعاء, يناير 28, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالشراكة مع الصين خيار سيادي لا تحدٍ للغرب

الشراكة مع الصين خيار سيادي لا تحدٍ للغرب

سودان تمورو:

في لحظة تاريخية يتكاثف فيها الضغط الخارجي على السودان، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية فوق أرضه وموارده وموقعه الجيوسياسي الحساس، يصبح السؤال الجوهري ليس مع من يتحالف السودان، بل كيف يبني علاقاته الخارجية دون أن يفقد قراره السيادي أو يتحول إلى ورقة في لعبة المحاور. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة مع الصين لا بوصفها خياراً أيديولوجياً مضاداً للغرب، بل باعتبارها نموذجاً عملياً لسياسة خارجية قائمة على المصالح المتبادلة، والبراغماتية، واحترام مبدأ عدم التدخل.

التوجيهات التي أصدرها رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان بترقية وتطوير العلاقات السودانية الصينية ليست مجرد إجراء بروتوكولي في سياق وداع سفير أو استقبال آخر، بل تعكس توجهاً سياسياً أعمق، يقوم على إعادة ترتيب بوصلة العلاقات الخارجية السودانية بعيداً عن منطق الابتزاز السياسي والاشتراطات المسبقة. فالخرطوم، وهي تواجه حرباً مدمرة وانسداداً سياسياً وضغوطاً اقتصادية خانقة، تحتاج إلى شركاء ينظرون إلى السودان باعتباره دولة ذات مصالح، لا ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لفرض القيم بالقوة.

الصين، بخلاف كثير من القوى الدولية، تعاملت مع السودان عبر عقود طويلة من منظور ثابت: حماية الاستثمارات، وضمان الاستقرار، وتجنب التدخل المباشر في الشأن الداخلي. لم تغير بكين موقفها بتغير الحكومات في الخرطوم، ولم تربط تعاونها بطبيعة النظام السياسي، بل ركزت على قطاعات استراتيجية مثل النفط والطاقة والبنية التحتية والتعدين، ووسعت حضورها وفق حسابات اقتصادية بحتة. هذا النهج البراغماتي هو ما يجعل العلاقة مع الصين أقل كلفة سياسياً، وأكثر قابلية للاستمرار في بيئة إقليمية مضطربة.

منذ الإطاحة بالحكومة المدنية وتصاعد الصراع الداخلي، حافظت الصين على علاقات مستقرة مع القيادة العسكرية برئاسة البرهان، إدراكاً منها أن الاستقرار – حتى وإن كان هشاً – هو المدخل الوحيد لحماية مصالحها ومواطنيها. وفي الوقت الذي انسحبت فيه قوى غربية أو علّقت تعاونها، ورفعت سقف الخطاب السياسي والأخلاقي، ملأت بكين جزءاً من الفراغ، مستفيدة من حاجة الخرطوم لشركاء لا يلوّحون بالعقوبات مع كل منعطف سياسي.

القلق الأميركي والغربي من تنامي النفوذ الصيني في السودان مفهوم في إطار الصراع الدولي الأوسع، لا سيما في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع طرق التجارة العالمية ومشاريع “الحزام والطريق”. لكن هذا القلق لا ينبغي أن يكون محدداً لخيارات السودان. فالدول لا تُدار على أساس إرضاء القوى الكبرى، بل وفق حسابات المصالح الوطنية. وليس من مصلحة الخرطوم أن تستبدل ارتهاناً بآخر، أو أن تدخل في اصطفافات حادة تعمّق عزلتها وتزيد من هشاشتها.

التجربة السودانية مع الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، أظهرت أن الوعود غالباً ما تُربط بشروط سياسية متغيرة، وأن الانفتاح الاقتصادي لا يأتي إلا متأخراً ومجزأً، فيما تبقى أدوات الضغط حاضرة. في المقابل، تقدم الصين نموذجاً مختلفاً، لا يخلو من تحدياته، لكنه أكثر وضوحاً: تعاون مقابل مصالح، واستثمار مقابل استقرار، دون خطاب أخلاقي أو تدخل مباشر في مسار السلطة.

هذا لا يعني أن السودان يجب أن يدير ظهره لأميركا أو أوروبا، أو أن يستبدل محوراً بمحور، بل يعني ببساطة أن يتبنى سياسة خارجية مستقلة، عنوانها الأول والأخير مصالح السودان الاستراتيجية. سياسة لا تخشى الغضب الأميركي، ولا تراهن كلياً على بكين، بل توازن بين الشركاء وفق معايير واضحة، وتستفيد من التنافس الدولي بدلاً من أن تكون ضحيته.

إن بناء علاقة متقدمة مع الصين يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية وسياسية للسودان في مرحلة إعادة الإعمار، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية شاملة، لا تختزل الشراكات في النخب، ولا تفرّط في الموارد. فالدول التي نجحت في عالم اليوم ليست تلك التي اختارت “المعسكر الصحيح”، بل تلك التي امتلكت شجاعة القرار المستقل، وأدارت علاقاتها ببراغماتية تحمي مصالح شعوبها.

في النهاية، السودان لا يحتاج إلى وصي دولي، ولا إلى دروس في الأخلاق السياسية، بقدر ما يحتاج إلى شركاء يحترمون سيادته، وإلى نخبة قادرة على صياغة سياسة خارجية تخرج البلاد من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل. وبكين، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي، يمكن أن تكون جزءاً من هذه المعادلة، لا باعتبارها بديلاً عن العالم، بل نافذة واسعة يطل منها السودان على مستقبل تحكمه المصالح لا الإملاءات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

خنساء عبدالله محمد عثمان على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
Michael3572 على الفاشر مأساة وطن
عبدالقادر النصري عبدالقادر على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
عبدالقادر النصري عبدالقادر على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
مكاوي الغالي محمد علي على مبادرات وتبرعات لمساعدة متضرري الحرب