الأربعاء, يناير 28, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتحرير الدلنج.. حين تهزم فرحة الناس منطق الحصار وتكشف بوصلة الشرعية!

تحرير الدلنج.. حين تهزم فرحة الناس منطق الحصار وتكشف بوصلة الشرعية!

خاص سودان تمورو

لم تكن مشاهد الفرح التي عمّت شوارع الدلنج، في جنوب كردفان، مجرّد احتفال عابر بفك حصارٍ طال أمده، بل كانت بيانًا سياسيًا وإنسانيًا مكثفًا، صيغ بلغة الجموع لا بخطابات المنابر. في تلك اللحظات التي امتزجت فيها الزغاريد بإيقاع “الكرنق”، وتصافحت فيها الأيادي بين المدنيين والجنود، بدت المدينة كأنها تستعيد روحها قبل أن تستعيد طرقها وأسواقها. فك الحصار لم يحرّر الجغرافيا فحسب، بل أطلق سراح الخوف المكبوت، وأعاد للأمل حقه في الظهور.

اللقطات المتداولة—جنود يرقصون رقصة شعبية في قلب المدينة، مواطنون يستقبلون القوات بدموع وفرح—تحكي قصة أعمق من تقدمٍ عسكري. إنها سردية علاقة ممكنة بين الجيش وشعبه: حماية لا هيمنة، وولاء متبادل لا إخضاع. في الدلنج، لم يُستقبل الجنود كقوة غالبة، بل كأبناء عادوا من معركة دفاع عن الكرامة والأرض. هذا الاحتفاء المشترك ليس تفصيلاً عاطفيًا، بل مؤشر على معيار الشرعية حين تُقاس بما يشعر به الناس لا بما يُفرض عليهم.

ومن هنا يتبدّى الفارق الأخلاقي والسياسي الذي يرسم مآلات الصراع في السودان. الوقائع المتكررة، من دارفور إلى كردفان، تشير بوضوح إلى معادلة باتت شبه مستقرة في وعي المواطنين: حيثما يسيطر الجيش تعود الحياة—بشروخها، نعم—لكنها تعود. وحيثما تحضر مليشيات الدعم السريع، يفرّ الناس “فرار الصحيح من الأجرب”، حاملين قصصًا عن انتهاكات تُثقل الذاكرة وتُقفل أبواب العودة. ليست هذه دعاية حرب، بل شهادة نزوح مكتوبة بخطوات الهاربين ودموع الأمهات.

الرسالة السياسية الأوضح في مشاهد الدلنج تتجه إلى قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”: لا يُحكم السودان من فوق فوهة بندقية، ولا تُبنى شرعية على الرعب. هذا بلد حضارات ومزارعين وعمال ومعلمين، شعبه لا يمنح ولاءه بالإكراه. الانتهاكات التي طالت المدنيين—قتلًا ونهبًا وتشريدًا وامتهانًا للكرامة—لم تخلّف جراحًا إنسانية فحسب، بل صنعت هوة أخلاقية وسياسية يصعب ردمها بخطابٍ تبريري أو صفقةٍ تفاوضية. هكذا تحوّل الفاعل المسلح، في نظر قطاعات واسعة، من لاعبٍ إلى تهديدٍ وجودي.

وتكشف الدلنج، في الآن ذاته، حقيقة المقاومة الشعبية. الناس لا يقاتلون حبًا في مؤسسةٍ بعينها، بل دفاعًا عن فكرة الدولة—ولو ناقصة—في مواجهة فوضى السلاح المنفلت. يختارون ما يمكن محاسبته، لا ما يفلت من كل قيد. يرون في الجيش، رغم تاريخه الملتبس، “الحامي الأهون” قياسًا بوحشية لا ضابط لها. هذا اختيارٌ أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا، وميزانه الخوف والأمان لا الشعارات.

لقد بدّدت الانتهاكات فرص أي طموحٍ مستقبلي لحكم السودان بالقوة. زمن حكم الشعوب عنوةً قد ولى، ومعه وهم السيطرة الدائمة بالسلاح. عصر الصورة المفتوحة، وحقوق الإنسان، والمطالبة بالكرامة، أعاد تعريف الشرعية: تُكسب بالقلوب لا بالإرهاب، وتدوم بالإرادة الشعبية لا بقوة النار. السودانيون، كما بدوا في الدلنج، يعرفون ثمن الحرية ووجه العبودية، ولن يقبلوا بحاكمٍ جاء على ظهور الدبابات ومشى فوق جراحهم.

فك حصار الدلنج، إذن، درسٌ عسكري بقدر ما هو درس سياسي وإنساني. يذكّر بأن الطريق إلى المستقبل يمرّ عبر احترام إنسانية السودانيين وحرمة بيوتهم وأمنهم، لا عبر حصار المدن وترويع أهلها. وما قالته فرحة الدلنج، بصوتها العالي، هو أن البوصلة واضحة: سلامٌ حقيقي وعدالةٌ قابلة للحياة، أو لا مستقبل. تلك الفرحة ليست نهاية قصة، لكنها دليل الاتجاه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

خنساء عبدالله محمد عثمان على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
Michael3572 على الفاشر مأساة وطن
عبدالقادر النصري عبدالقادر على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
عبدالقادر النصري عبدالقادر على اعلان تفاصيل استخراج الشهادة السودانية 2023
مكاوي الغالي محمد علي على مبادرات وتبرعات لمساعدة متضرري الحرب