سودان تمورو:
لا تبدو الحرب في السودان حدثًا مفصولًا عن محيطه، بل هي تركيبة معقّدة بين عجزٍ داخلي وتدخلٍ خارجيّ يرسم مسارات الصراع بعيدًا عن إرادة السودانيين. وبينما تُغلق المدن أبوابها وتفرغ القرى من سكانها يبقى مستقبل السودان معلقًا بين خيار الاستعادة وخطر التفكيك.
في أحد أحياء السودان التي فرغت من سكانها بعد أكبر عملية نزوح تشهدها المنطقة وفقاً للأمم المتحدة، تُغلقُ الأبواب بلا موعدٍ للعودة، لم يعد السؤال لمن بقوا “متى تتوقف الحرب؟”، بل “من يملك قرار إيقافها أصلًا!”، ومنذ اندلاع القتال في السودان تتقاطع الوقائع الميدانيّة مع مساراتٍ سياسيةٍ تناقَشُ خارج البلاد.
وعلى الأرض، تتسع رقعة الانتهاكات، ويتعمّق الانقسام، بينما ما زالت الحكومة والجيش السوداني المعترف بهما دوليًا، عاجزين عن فرض أي مسارٍ حاسم، وفي المقابل يتزايد حضور الفاعلين الإقليميين والدوليين في رسم اتجاهات الحرب، سواء عبر الدعم العسكريّ غير المباشر، أو عبر شبكات التمويل والموارد، أو من خلال مسارات تفاوضٍ لا تنطلق من الداخل السودانيّ.
ينطلق هذا التقرير من سؤالٍ مركزيّ؛ هل ما زال السودان قابلًا للاستعادة كدولةٍ موحّدة؟ أم أنَّ مسارات الحرب والحسم والتسوية التي باتت تُرسم خارج حدوده تحيله إلى مشهدٍ يعيد إنتاج سيناريوهاتٍ عرفتها المنطقة في دول مثل ليبيا واليمن وسوريا؟
بين الحرب والانتهاكات
أدت الحرب في السودان إلى نزوح 9.3 مليون شخصٍ داخليًا و 4.3 مليون آخرين خارجيًا، مع وجود 5000 طفلٍ ينزح يوميًا منذُ عام 2023، وأكثر من 21 مليون شخصٍ يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتعطّل أكثر من 70 في المئة من المنشآت الصحيّة، فيما يواجه 12 مليونًا (غالبتهنَّ من النساء والفتيات) خطر العنف الجنسيّ بمن في ذلك ضحايا رضّع، بحسب آخر بيانات الأمم المتحدة.
وتشمل الانتهاكات؛ الهجمات العشوائية بالمدفعية والطائرات والأسلحة المتفجرة على الناس والبنية التحتية، بالإضافة إلى القتل والإعدامات الجماعية والعنف الجنسي المنهجي. ووثقت التقارير تجنيد أطفال ونهبًا واسعًا وتدميرًا للمدارس والمساجد والأسواق. واتهمت تقاريرُ الأمم المتحدة قوات الدعم السريع بشكلٍ خاص بالقتل والاغتصاب في الفاشر وزمزم.
المدافع عن حقوق الإنسان مصباح عيسى يشدد خلال حديثه مع “درج”، على تحمّل المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وسياسية مباشرة بسبب فشله في اتخاذ إجراءات رادعة، واكتفائِه ببيانات إدانة لم تُساهم في وقف الحرب.
لماذا يزور مفوّض الأمم المتحدة السودان؟
في 14 كانون الثاني/ يناير، زار مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السودان واستثنى إقليم دارفور غربيّ البلاد. الزيارة تُعدُّ الزيارة الرسميّة الأولى بعد بدء الحرب في السودان في نيسان/ إبريل عام 2023
بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. والحرب في السودان هي نتيجة تفكك مسار الانتقال السياسي بعد سقوط نظام عمر البشير، واصطدام مشاريع القوى العسكرية الطامحة للسيطرة. الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، يمثل المؤسسة العسكرية التقليدية وامتدادات الدولة القديمة، فيما قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) نشأت كقوة شبه عسكرية مستقلة ذات نفوذ اقتصادي وإقليمي متصاعد. ومع غياب توافق مدني–عسكري حقيقي، تحوّل التنافس على السلطة والثروة إلى حرب مفتوحة داخل المدن والولايات، أدخلت البلاد في مرحلة تفكك خطيرة وزاد من خطورتها دخول قوى إقليمية على الساحة الداخلية.
يقول الصحافي السوداني حيدر عبد الكريم لـ”درج”، إنَّ زيارة الأمم المتحدة لن يكون لها تأثيرٌ مباشر على العملية السياسية في البلاد. وأنَّ المستقبل غامض في ظل تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، فأي محادثات سلام في الوقت القريب غير ممكنة…
وعلى رغم تصاعد الكلفة الإنسانية للحرب وتصاعد معاناة السودانيين من القوى المتحاربة، وعلى رغم توثيق الانتهاكات المروعة، لم تتوصل الأمم المتحدة الى حل لوقف المأساة الإنسانية. أمّا مجلس الأمن فهو يعاني من انقسامات دولية تحول دون اتخاذ إجراءات قوية، وفشلت آليات مثل حظر الأسلحة أو وقف إطلاق النار في تحقيق تأثيرٍ ملموس.
ما هو حجم الانتهاكات؟
في تقرير أممي صدر حديثاً، تم توثّيق قتل ما لا يقل عن 1013 مدنيًا في هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين في نيسان/ أبريل 2025 مع عمليات إعدام ميدانية وصفها بـ”الوحشية”. إضافةً إلى توثيق عمليات اغتصاب جماعي وانتهاكات جنسية واسعة واستخدامهما كأداةِ إرهاب. كذلك شملت الانتهاكات إعدامات ميدانية، وقصف أحياءٍ ومواقع عامة، واستهداف مخيمات ومرافق صحية ومدارس.
هذه الانتهاكات، التي وثّقتها تقارير دولية عدة، تربط بين قوات الدعم السريع ـ المتهمة بالمسؤولية عن جزءٍ واسع منها ـ وبين دولة الإمارات التي تواجه اتهامات بتزويد الدعم السريع بالسلاح والذخائر المتطورة والطائرات المسيّرة والمعدات اللوجستية، ما مكّنها من السيطرة على مساحات واسعة من إقليم دارفور. وتواصل أبوظبي نفي هذه الاتهامات، مؤكدةً التزامها بالقوانين والمعايير الدولية الخاصة بتصدير السلاح.
يرى المحامي المتخصص في القانون الدولي الجنائي عبد الباسط الحاج خلال حديثه مع “درج”، أنَّ الأمم المتحدة لديها التزامات يجب أن تقوم بها، بدايةً مراقبة دخول الأسلحة إلى دارفور عن طريق ليبيا وتشاد، بما أن هناك قرارًا صادرًا من مجلس الأمن 2005/1591 المتعلق بحظر دخول الأسلحة إلى إقليم دارفور، وقد خرقت الإمارات القرار أعلاه عبر دعمها المستمر للدعم السريع واستمرار تدفق السلاح، ما يزيد من معاناة الشعب السوداني وإطالة أمد الحرب. فيما فشل قرار مجلس الأمن عام 2024 في منع الهجمات على الفاشر؛ إذ استمرت قوات الدعم السريع بحصار المدينة؛ ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف.
ويتفقُ مراقبون على أن الأمم المتحدة تبدي استجابة مختلفة تجاه الحكومة السودانية طالما أنها تسيطر على مساحات واسعة وتسمح بإدخال المساعدات الإنسانية. وتواجه الحكومة السودانية ضغوطاً متزايدة في ملف “الشرعية السياسية” مقارنة بالأطراف الأخرى، مثل ميليشيا الدعم السريع، ما يجعلها أحياناً عرضة لابتزاز المواقف الأممية.
من جانبه، يُقدّر الباحث السوداني حسّان الناصر أنَّ الإخفاق الأممي في السودان لا ينفصل عن الفشل العام الذي تعيشه مواثيق الأمم المتحدة ومنظماتها دولياً.
لماذا استُثني دارفور؟
تشهد أزمة دارفور في السودان تعقيداتٍ سياسيّةٍ وأمنيةٍ نتجت من استمرار نفوذ قوات الدعم السريع وسيطرتها على أجزاء واسعة من الإقليم، وهو ما جعله حالةً استثنائيةً في مسار الصراع السودانيّ وسببًا محوريًّا في قيود الزيارات الأمميّة إلى المنطقة؛ لذا فإن استثناء الإقليم ليس مجرد شأنٍ إداريّ، بل يأتي في سياق استمرار سيطرة الدعم السريع على دارفور وجزءٍ من كردفان.
ويعتقد عبد الكريم أن دارفور استُثني بسبب سيطرة الدعم السريع وخصوصيتها، قائلًا: “في تقديري هذا هو الأصح لأن الحكومة ترى أن وصول هيئات الأمم المتحدة إلى مناطق سيطرة الدعم السريع يشكل اعترافاً بها، بخاصة وأن قوات الدعم السريع روّجت سابقاً لإحدى الزيارات الأممية أنها اعتراف بسيادتها”.
وكانت منسقة الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة دينيس براون وصفت العام الماضي منطقة طويلة بدارفور بأنها “أحد مراكز الكارثة الإنسانية”، وقالت إنها تستضيف الآن حوالي 600 ألف نازح، فر معظمهم من القتال حول عاصمة الإقليم المحاصرة الفاشر منذ نيسان/ أبريل الماضي، مشيرة إلى أن أنحاء السودان شهدت نزوح ما يقرب من 12 مليون شخص، ما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم.
ويقول الناصر إنَّ الاستثناء جاء من إطار المناوشات التي حدثت بين الحكومة ومنظمة الغذاء العالمي بشأن “معبر أدري”، والتي على الرغم منها استطاعت الحكومة السودانية إدارة الأزمة وتحسين علاقتها مع الأمم المتحدة، وهي تنظر الى الملف في دارفور كملف سياسي أكثر منه إنسانيًا.
ساحة تنازع إقليمي
بات السودان ساحةً للصراع بين قوىً إقليميّة ودوليّة؛ إذ تدعم الإمارات قوّات الدعم السريع عسكريًا وماليًّا منذ عام 2023؛ وذلك عبر مد جسور دعم عسكري ولوجيستي بري وجوي من إثيوبيا وتشاد وشرق ليبيا وأقاليم الصومال الانفصالية؛ ما يطيل أمد الحرب. وتؤكد الحكومة السودانية أن قوات الدعم السريع هربت كميات ضخمة من الذهب إلى دولة الإمارات، بقيمة تتجاوز 850 مليون دولار خلال 2024/2025.
تقارير صحافية ترى أن الذهب الذي يخرج من مناجم السودان – معظمها في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع- يشكّل جزءًا كبيرًا من تجارة الذهب التي تصل عبر الإمارات إلى الأسواق العالمية، وهو ما يجعل من تجارة الذهب عنصراً محورياً في اقتصاد الحرب وتمويل السلاح.
كما تدير الإمارات شبكة تمويلٍ للدعم السريع عبر شركات أماميّة في أبو ظبي وتشاد، بما في ذَلك نقل أسلحة عبر طائرات خاصة إلى مطار في دارفور، كما وثّقت الأمم المتحدة في 2025. وتهدف إلى السيطرة على موانئ البحر الأحمر عبر حمدان دقلو (حميدتي)، مع امتدادات في القرن الإفريقي لتأمين طرق التجارة والطاقة بعيدًا من نفوذ الإسلاميين. فيما قدّمت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة شكوى رسمية إلى مجلس الأمن تتهم فيها دولة الإمارات بالضلوع في الحرب الدائرة في السودان عبر دعمها قوات الدعم السريع، وطالبت بإجراء تحقيق عاجل في الدور الإماراتي وإدانته وتوثيق ذلك ضمن وثائق المجلس. وعلى الطرف الآخر، تدعم مصر والسعوديّة القوات المسلّحة السودانيّة بالأسلحة والتدريب.
في هذا الصدد، يعلّق الحاج بأن الإمارات متورطة في توريد السلاح الى ميليشيات الدعم السريع عبر مطار أم جرس في تشاد وعبر ليبيا، وأنَّها تموّل الدعم السريع لارتكاب مجازر ضد الشعب السوداني، وآخرها مجزرة الفاشر، وبناءً على ذلك يجب أن تُحاسب جنائيًا عبر فتح تحقيقات جنائية مستقلة لإثبات مسؤوليتها عن الجرائم التي يقوم بها الدعم السريع، قائِلًا إنها ” تتقاسم مع هذه الجماعات إجرامها تمامًا”.
ويلفت إلى أنَّ الخطوة التي قامت بها الحكومة السودانية في العام الماضي عبر تقديم شكوى ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية هي خطوة صحيحة، على رغم تحفظ الإمارات، ولكن مكان تقاضي الدول هو محكمة العدل الدولية.
السودان الموحّد أم المتنازع عليه؟
تباينت الآراء في ما يتعلّق بمستقبل السودان وتكراره صورة سوريا وليبيا واليمن، ففيما يرى البعض ألا أُفُق لحلٍّ سياسيٍّ قريب، يستبعدُ آخرون خيارات التقسيم أو تكرار مشاهد من دولٍ أُخرى، وذلك نتيجةً لخصوصيّة السكان وطبيعتها الجغرافيّة والثقافيّة.
في حين يتفق محللون على أن غياب حلٍّ سياسيٍّ قريب مرتبطٌ مباشرةً بدور الدعم الخارجيّ في استمرار صراع قوات الدعم السريع، ويضعف أيَّ حلٍ سياسيّ، ويشير هذا التوجّه إلى أنَّ الانقسام المحتمل بات من القضايا المطروحة بقوة في ظل تواصل الصراع، مع تزايد المخاوف من انفصال مناطق أو ظهور كياناتٍ موازيةٍ على غرار ما حدث في دولٍ أُخرى.
يعلّق الحاج بألا خيار أمام الجيش السوداني سوى المضي قدمًا في استعادة الأراضي السودانية التي سيطر عليها الدعم السريع، وإبقاء السودان موحدًا أرضًا وشعبًا، إلى جانب حوارٍ وطني داخلي لرسم خارطة طريق واضحة لكيفية حكم السودان والانتقال به من دائرة الحرب إلى رحاب السلام والاستقرار.
ويتفق معه عبد الكريم بأن هذا الأمر مسألةٌ صعبةٌ وتحتاج إلى توافق شامل للإبقاء على الدولة موحّدة. ووفقًا للسيناريو الحالي، فإن خيار الانفصال والانقسام إلى دويلات هو الأقرب، بخاصة أن صراع الموارد متوقّع أن يتوسّع بين المجموعات الأخرى أيضاً.
في المقابل، يرى مراقبون أن الطبيعة الاجتماعيّة والتاريخيّة للسودان مختلفةٌ عن تجارب ليبيا وسوريا واليمن، وهو ما يعطي بعدًا خاصًا لأزمة الوحدة السياسيّة، ففي حين تسعى ميليشيات الى ترسيخ مناطق نفوذها، يتمتع الجيش الوطني بدعمٍ شعبيٍّ واسع يسعى من خلاله الى الحفاظ على الدولة وإعادة السيطرة على أراضيها.
ويؤكد الناصر أنَّ الميليشيا تعاني من تناقضات داخلية حادة، وافتقار لنموذج حكم واضح؛ إذ تبدو أقرب إلى عصابات تتبع لقادة ميدانيين أكثر من كونها مؤسسة قادرة على الإدارة. وفي المقابل، يبرز الإصرار الاجتماعي المساند للجيش كعامل حاسم؛ إذ تقاتل مكونات اجتماعية واسعة لاستعادة أراضيها وهويتها، ما يجعل من الصعب فرض أي شرعية بديلة لميليشيا تفتقر الى المشروع السياسي والاجتماعي.
في حين يرى آخرون أنَّ الصراع في السودان لم يعد محصورًا في ميدان المواجهة العسكريّة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بدأ يتخذ طابعًا بنيويًا أعمق يطاول شكل الدولة نفسها.
ويلفت عيسى إلى أنَّ السودان يتجّه نحو سيناريو قاتم، حيث يلوح في الأفق خطر “التقسيم الفعلي” أكثر من أي وقت مضى. فبينما تفرض قوات الدعم السريع سيطرتها على دارفور وأجزاء من كردفان وتؤسس لإدارات مدنية موازية، تتمركز الحكومة في مناطق من كردفان والوسط منذ أشهر، في ظل سعي قوى إقليمية ودولية إلى استثمار معاناة السودانيين وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالحها الاقتصادية.
هذا كله يطرح السؤال المشروع حول مستقبل السودان في ظلِّ التغطية الخجولة للانتهاكات الحاصلة، والزيارة الأمميّة المتأخرة بعد الاعتراضات المتكررة على ما تقدمه الإمارات من دعمٍ لقوات الدعم السريع. والسؤال الذي يُطرح أيضاً في هذا الإطار: من سيفتح الأبواب المُغلقة التي غادرها النازحون، وما المستقبل الجديد الذي تنتظره البلاد؟
لا تبدو الحرب في السودان حدثًا مفصولًا عن محيطه، بل هي تركيبة معقّدة بين عجزٍ داخلي وتدخلٍ خارجيّ يرسم مسارات الصراع بعيدًا عن إرادة السودانيين. وبينما تُغلق المدن أبوابها وتفرغ القرى من سكانها يبقى مستقبل السودان معلقًا بين خيار الاستعادة وخطر التفكيك.
