الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتيك توك و«مبدأ نيويورك»!.. بقلم أحمد حسن

تيك توك و«مبدأ نيويورك»!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو:

في خطوة فاضحة الدلالة، لا تخطئها العين ولا تخففها المبررات التقنية، أقدم تطبيق «تيك توك» على حذف مصطلح «إبستين» من منصته، ومنع تداوله حتى في المراسلات الخاصة، بذريعة «حماية المجتمع». حدث ذلك بعد أيام قليلة فقط من انتقال السيطرة التشغيلية للتطبيق في الولايات المتحدة إلى شركات أمريكية، في صفقة أنقذته من شبح الحظر الكامل تحت عنوان الأمن القومي والقلق من الارتباط بالصين. هنا، في هذه اللحظة بالذات، يسقط قناع «حرية التعبير» الذي طالما قدّمه الغرب بوصفه قيمة كونية لا تمس، ويتحوّل إلى أداة انتقائية، تُرفع حين تخدم، وتُسحب فورًا حين تُحرج.

قضية جيفري إبستين ليست مجرد ملف جنائي عابر، ولا فضيحة أخلاقية يمكن احتواؤها ببيان أو اعتذار. إنها مرآة عاكسة لشبكة كثيفة من النفوذ والمال والسلطة، وجرح مفتوح في جسد النخب التي اعتادت أن تُقدّم نفسها باعتبارها معيارًا أخلاقيًا للعالم. ومنع ذكر الاسم ليس «حماية للمجتمع»، بل حماية للنظام الذي سمح لتلك الجرائم أن تنمو في الظل، ثم سعى لاحقًا إلى دفنها تحت طبقات من الصمت الرقمي. هنا لا تعود الرقابة تهمة، بل تتحوّل إلى «فضيلة» مُعلّبة، تُسوَّق بوصفها سلوكًا مسؤولًا، بينما هي في جوهرها فعل دفاعي عن بنية سلطة مأزومة.

ما جرى يكشف، بلا مواربة، جوهر ما يمكن تسميته بـ«الحوكمة الرقمية» الغربية. داخل الدائرة الغربية الصلبة، تُمارَس رقابة صارمة، هادئة، بلا ضجيج شعارات. تُغلق الملفات الحساسة، وتُدار المنصات الكبرى بوصفها امتدادًا للأمن القومي، وتُفرض القيود متى ما اقترب النقاش من سمعة النخب أو توازنات النظام. هناك، تصبح المركزية فضيلة، والتدخل ضرورة، وضبط الفضاء الرقمي حقًا سياديًا لا نقاش حوله. أما خارج هذه الدائرة، في عالمنا نحن، فيُعاد تعريف المبدأ نفسه بلغة معكوسة: «حرية تعبير مطلقة»، «سوق مفتوح بلا قيود»، وفضاء رقمي مشرّع الأبواب لكل أشكال الفوضى.

ليست المسألة أخلاقية بقدر ما هي بنيوية. الفوضى التي تُصدَّر إلينا ليست خطأ في التطبيق، بل جزء من التصميم. اقتصاد هش، وهوية ثقافية مُشتّتة، ومنصات بلا سيادة، تُدار خوارزمياتها من الخارج، وتُضبط إيقاعاتها وفق مصالح لا علاقة لها بأولويات مجتمعاتنا. وعلى الضفة الأخرى من المشهد، يُعاد إنتاج التبعية بوسائل أكثر نعومة: رعاية نخب مستلبة، تُغدَق عليها المنح والبريق، لتعود محمّلة بخطاب ليبرالي مفترس، يُقدَّم لشعوبنا على أنه ذروة التقدم. تُسوَّق «نفايات الرأسمالية» بوصفها حرية، بينما هي في الواقع وصفة لتدمير الصناعة المحلية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، واستباحة الثروات.

حادثة حذف كلمة «إبستين» ليست تفصيلًا تقنيًا ولا زلة سياسات محتوى. إنها نموذج مصغّر لنظام عالمي يقوم على معيارين لا يلتقيان. داخل المركز، دولة قوية لا تتردد في استخدام الرقابة والتدخل لحماية نفسها. وخارج المركز، إدارة فوضى ناعمة، تُغلف بشعارات جوفاء، هدفها إبقاء الآخرين في حالة ضعف دائم، قابلين للتوجيه والاستغلال. هذا هو «مبدأ نيويورك» غير المعلن: رقابة لنا، وفوضى لكم؛ سيادة هنا، وشعارات هناك.

من هنا، لا تبدو السيادة الرقمية ترفًا فكريًا أو شعارًا أيديولوجيًا، بل شرطًا وجوديًا. إنها خط الدفاع الأول عن الهوية، وعن الأمن، وعن القدرة على اتخاذ القرار. ليست المشكلة في الرقابة بذاتها، بل في لمن تُمارَس، وبأي معايير، ولصالح من. رقابة تُصاغ بإرادة وطنية، وتحكمها قيم المجتمع ومصالحه، تختلف جذريًا عن رقابة تُفرض من الخارج وتُقدَّم على أنها أخلاق كونية. الشعوب التي تفهم لعبة «المعيار المزدوج» هي وحدها القادرة على كسرها، وبناء منصاتها، وصياغة سياساتها، واختيار مصطلحاتها، بعيدًا عن وصاية تُقدّم الرقابة فضيلة حين تخدمها، وتقدّم الفوضى حرية حين تخدم مصالحها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات