سودان تمورو
ليس أخطر على الوعي العام من أن تُمرَّر الدعاية في هيئة تحليل، ولا أشد فتكاً بالعقل الجمعي من أن تُسوَّق الأسطورة على أنها حقيقة عسكرية صلبة. فالإعلام، حين يتخلى عن وظيفته النقدية، لا يكتفي بتضليل الجمهور، بل يشارك فعلياً في إعادة تشكيل وعيه وفق ما تريده غرف القرار لا وفق ما تفرضه الوقائع. من هنا تبدأ الإشكالية، ومن هنا يصبح “التحليل العسكري” في كثير من الشاشات العربية امتداداً للحرب النفسية أكثر منه قراءة مهنية لموازين القوة.
كنت أستمع إلى تحليل العميد المتقاعد إلياس حنا حول القدرات العسكرية الأمريكية والإيرانية، فإذا بالطرح يُختزل – صراحة أو ضمناً – في صورة مواجهة غير متكافئة، أقرب إلى صدام بين “عملاق وقزم”. هذا التوصيف، الذي يتردد كثيراً في الإعلام العربي، لا يبدو بريئاً ولا عفوياً، لأنه يتجاهل عمداً جملة من الحقائق القريبة زمنياً، والواضحة ميدانياً، وعلى رأسها ما أظهرته حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل من تحوّل عميق في طبيعة القوة والردع. فالقوة في حروب هذا العصر لم تعد تُقاس بعدد القطع البحرية ولا بحجم الترسانات التقليدية، بل بقدرة الطرف على فرض الكلفة، وبحسن توظيف الجغرافيا، وبامتلاك الإرادة والقدرة على الاستمرار تحت الضغط.
قبل أشهر فقط، لم يكن مشهد البحر الأحمر قابلاً لكثير من التأويل. صواريخ ومسيرات أطلقتها جماعة أنصار الله اليمنية دفعت حاملة الطائرات الأمريكية “أيزنهاور” والسفن المرافقة لها إلى الانسحاب من مسرح العمليات. يومها، لم يتردد الإعلام العربي، ولا عدد من المحللين العسكريين، في القول إن الحاملة تعرضت لتهديد مباشر، وإن صاروخاً قصفها أو سقط على مسافة تُقدَّر بنحو مئتي متر منها، وإن قرار الانسحاب لم يكن استعراض قوة ولا مناورة محسوبة، بل إجراءً وقائياً خشية الإصابة أو الغرق. في تلك اللحظة، تحوّلت “القلعة العائمة” – رمز الهيمنة البحرية الأمريكية – إلى هدف قابل للردع، وبات طرف يُصنَّف إعلامياً على أنه “عادي” قادراً على إحراج القوة الأعظم في العالم. لم يكن ذلك اندفاعاً عاطفياً ولا خروجاً عن المهنية، بل اعترافاً بواقع فرض نفسه بقوة الصورة والميدان.
غير أن هذا المنطق لم يصمد طويلاً. فما إن ظهرت حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” في بحر عُمان، حتى انقلب الخطاب الإعلامي رأساً على عقب. تغيّرت اللغة، وتصلّبت النبرة، وعادت مفردات التفوق المطلق: حاملة لا تُقهر، لديها منظومات دفاع متقدمة، ومدمرات قادرة على إنهاء أي تهديد قبل أن يقترب من مجالها الحيوي. بدا المشهد وكأن الذاكرة الإعلامية العربية أُصيبت بفقدان انتقائي، فنست أو تناسَت أن “لينكولن” و“أيزنهاور” تنتميان إلى الفئة والطراز نفسيهما، وتعملان بالعقيدة القتالية ذاتها، وتملكان المنظومات الدفاعية نفسها، وتخضعان لقواعد الاشتباك ذاتها، وأن ما يجعل إحداهما قابلة للتهديد يجعل الأخرى كذلك من حيث المبدأ.
هنا تتجلى المغالطة الكبرى، وهي مغالطة ذهنية وسياسية قبل أن تكون عسكرية. فإذا كان طرف أقل تسليحاً وخبرة بحرية، كجماعة أنصار الله، قد نجح في فرض معادلة ردع موضعية على حاملة أمريكية في البحر الأحمر، فكيف يُطلب من المتلقي العربي أن يصدق، دون نقاش أو تمحيص، أن دولة كإيران – بما راكمته من قدرات صاروخية وبحرية، وبما تمتلكه من خبرة عملياتية وتجارب طويلة في إدارة الصراع المباشر و غير المباشر – عاجزة عن إحداث تأثير مماثل أو أكبر في مسرح أقرب إلى مجالها الحيوي؟ السؤال هنا ليس دعوة إلى الحرب ولا تنبؤاً بنتائجها، بل اختبار بسيط لاتساق المعايير: إما أن تكون حاملات الطائرات أهدافاً يمكن ردعها في كل الحالات، أو أن تكون عصية على التهديد في كل الحالات. أما التفريق بين “أيزنهاور” و“لينكولن” تبعاً لهوية الخصم، فليس تحليلاً عسكرياً، بل تكييف سياسي للخطاب الإعلامي.
وتزداد الصورة وضوحاً حين نقارن بين التغطية الإعلامية لمعركة الإسناد التي قادها الحوثيون دعماً لغزة، وبين التغطية الاستباقية لأي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران. في الحالة الأولى، سُمح بهامش من “الحياد” وبتعدد الروايات، لأن الصراع – رغم حساسيته – لم يكن يمسّ مباشرة جوهر توازنات القوة الكبرى. أما في الحالة الثانية، حيث تُستشعر معركة فاصلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي وتكسر مسلّمات الردع، فيُغلق الهامش، ويُصادَر السؤال، وتُستدعى البروباغندا الأمريكية كاملة، وتُلقَّن للمشاهد العربي رواية واحدة مفادها أن التفوق الأمريكي قدر لا يُرد، وأن أي تحدٍّ له ضرب من العبث أو الانتحار السياسي.
إن القضية هنا لا تتعلق باختلاف وجهات النظر، فالإعلام بطبيعته يحمل انحيازات، بل تتعلق بالانتقال من التحيز إلى التواطؤ. فعندما يصبح التحليل العسكري مجرد إعادة إنتاج للرواية الأمريكية، دون مساءلة أو مقارنة أو استحضار للوقائع القريبة، يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة في الحرب النفسية، ومن مساحة للفهم إلى منصة للتخويف. والنتيجة وعيٌ مُنهك، يتأرجح بين التهويل حيناً والتقليل حيناً آخر، بلا معيار ثابت سوى ما تفرضه اللحظة السياسية وحسابات الهيمنة.
الدرس الذي ينبغي استخلاصه لا يقوم على تمجيد إيران ولا على التقليل من قدرات الولايات المتحدة، بل على الاعتراف الصريح بأن زمن الأسلحة “المطلقة” قد ولّى، وأن حاملات الطائرات، مهما عظمت، ليست خارج معادلات الردع الحديثة. أما السؤال الحقيقي، فهو ما إذا كان الإعلام العربي مستعداً لمراجعة خطابه، والتخلي عن أسطورة “القوة التي لا تُقهر”، والعودة إلى معيار واحد يُطبَّق على الجميع. فهناك فقط يبدأ التحليل الحقيقي… وتنتهي البروباغندا.
