الأربعاء, أبريل 29, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالثورة الإسلامية في ايران .. كيف اهتز نظام الهيمنة؟. محمد الزاكى

الثورة الإسلامية في ايران .. كيف اهتز نظام الهيمنة؟. محمد الزاكى

سودان تمورو

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبينما كان العالم يرزح تحت ثنائية جامدة تحكمها المادية الغربية من جهة والاشتراكية الصلبة من جهة أخرى، انفجرت الثورة الإسلامية في إيران (1979) كحدث استثنائي وفريد، كسر المسار “الطبيعي” الذي افترضه المنظّرون الغربيون لتاريخ الإنسانية. لم تكن تلك الثورة مجرد انتقال للسلطة أو انقلاب على نظام سياسي تابع، بل شكّلت ـ بشهادة مفكرين غربيين قبل غيرهم ـ لحظة عودة كبرى للدين والقيم الأخلاقية إلى قلب الفعل السياسي والاجتماعي العالمي.
ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي المعروف، كتب من طهران في ذروة الأحداث متحدثاً عن “روحانية سياسية” لم يألفها الغرب الحديث، معتبراً أن ما يجري في إيران ليس ثورة بالمعنى الكلاسيكي، بل تمرّد حضاري على اختزال الإنسان في بعده الاقتصادي والمادي. هذا التوصيف لم يكن مجاملة عابرة، بل اعترافاً مبكراً بأن الثورة الإسلامية طرحت نموذجاً مغايراً جذرياً للنماذج السائدة، نموذجاً يربط السياسة بالأخلاق، والسلطة بالمسؤولية، والهوية بالعدالة.
لقد جاءت الثورة الإسلامية في سياق عالمي شهد تراجعاً واضحاً لدور الدين في المجال العام، حيث سادت مقولات “علمنة السياسة” و”نهاية الأيديولوجيا”، وتحوّل الإنسان ـ كما انتقد هربرت ماركوزا ـ إلى كائن أحادي البعد. في هذا المناخ، رفعت الثورة شعارات الاستقلال، و”لا شرقية ولا غربية”، ونصرة المستضعفين في مواجهة المستكبرين، لتعيد الاعتبار لقيم كانت قد أُقصيت عمداً من معادلات القوة الدولية. ولم يكن ذلك خطاباً إنشائياً، بل تجسّد عملياً في قطع التبعية السياسية والاقتصادية للغرب، وإسقاط أحد أكثر الأنظمة ارتباطاً بالولايات المتحدة في المنطقة.
بعد أربعة عقود ونيف، لا يمكن قراءة مسار الجمهورية الإسلامية إلا بوصفه عاملاً مغيراً في موازين القوى الدولية. فبرغم الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات بدعم غربي وعربي واسع لنظام صدام حسين ـ وهو دعم وثّقته لاحقاً وثائق رسمية أمريكية وأوروبية ـ خرجت إيران أكثر رسوخاً في استقلال قرارها، وأكثر اقتناعاً بقدرتها على الصمود. هذا الصمود تحوّل مع الزمن إلى نموذج مُلهِم لقوى وحركات رأت في التجربة الإيرانية دليلاً عملياً على إمكانية مواجهة الهيمنة، لا بالاستهلاك والخضوع، بل ببناء القوة الذاتية والاعتماد على الإرادة الشعبية.
في هذا السياق، برز ما بات يُعرف بـ”محور المقاومة” كحقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها. من لبنان، حيث فشل “الجيش الذي لا يُقهر” في تحقيق أهدافه أمام مقاومة محدودة الإمكانات لكنها عالية الإيمان والتنظيم، إلى فلسطين، حيث تحوّل الكيان الصهيوني من رمز للهيمنة الغربية إلى كيان مأزوم أمنياً ونفسياً، يعيش على وقع القلق الوجودي. اعترافات قادة عسكريين وسياسيين إسرائيليين، من أمثال إيهود باراك وبني غانتس، حول تغيّر معادلات الردع، ليست سوى شواهد قولية على هذا التحول العميق.
أما الولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها كقوة قادرة على حسم الصراعات، فتبدو اليوم ـ كما في تجارب العراق وأفغانستان ـ عاجزة عن فرض إرادتها السياسية رغم تفوقها العسكري. التحشيدات الأمريكية المتكررة في المنطقة، وما يرافقها من تهويل إعلامي، تعكس في جوهرها قلقاً بنيوياً من مشروع لم تستطع احتواءه أو كسره. وهو قلق يتغذّى من حقيقة أن الجمهورية الإسلامية، رغم العقوبات القصوى والضغوط المتراكمة، نجحت في بناء قدرات علمية وعسكرية واقتصادية ذاتية، بشهادة تقارير غربية تتحدث عن فشل سياسة “الضغط الأقصى”.
إن الخطر الوجودي الذي يواجه رمزية الهيمنة الغربية، والمتمثلة بالكيان الصهيوني، لا ينبع فقط من الصواريخ أو موازين الردع، بل من التحول القيمي والفكري الذي أعاد تعريف معنى القوة والانتصار. فالقوة هنا ليست مجرد تفوق تقني، بل ثبات مبدئي، وثقة بالله تعالى، واستعداد لدفع كلفة الاستقلال. هذا ما يجعل الصراع الراهن يتجاوز كونه نزاعاً سياسياً، ليصبح مواجهة بين نموذجين حضاريين: نموذج مادي أقصى الأخلاق والدين، ونموذج يرى في القيم الروحية أساساً لتحرير الإنسان.
من هذه الزاوية، يمكن القول إننا نعيش اليوم فصولاً متقدمة من مخاض تاريخي طويل، بدأ عام 1979 ولم ينتهِ بعد. فجر جديد للإنسانية، كما يراه أنصار هذا المسار، لا يُقاس بسرعة الأحداث، بل بعمق التحولات. وبين التهويل الفارغ والصمود الهادئ، تتشكل معالم عالم يُعاد فيه طرح السؤال الجوهري: لمن تكون الكلمة الأخيرة… للقوة العارية أم للقيم التي تصنع الإنسان الحر؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات