سودان تمورو:
تُظهر تطورات الحرب السودانية تحول القتال الجوي إلى عنصر رئيسي في إدارة العمليات، مع توسع استخدام الطائرات المسيّرة وقدرات اعتراضها في دارفور وكردفان خلال العامين الماضيين.
وقال محللون إن الطائرات المسيّرة أصبحت محوراً مستقلاً في مسرح الحرب، بعد أن كانت أداة مساندة للعمليات البرية. وأوضحوا أن استخدامها لم يعد مقتصراً على استهداف مواقع محددة، بل امتد إلى تعطيل الإمدادات، ورصد التحركات، وفرض تهديد مستمر يغيّر أنماط القتال ويشتت القوات.
وأشار خبراء عسكريون إلى أن التطور الأبرز لم يعد مرتبطاً بامتلاك المسيّرات فقط، بل بامتلاك وسائل تعطيلها، بما في ذلك الدفاعات الجوية وأنظمة الاعتراض والتشويش، وهو ما جعل من دارفور وكردفان بيئة نشطة لحرب تعتمد على التكنولوجيا الجوية.
وتفيد تقارير من مصادر مفتوحة بأن قوات الدعم السريع عززت قدراتها الجوية، مع رصد نشاط متزايد للمسيّرات ومنشآت مرتبطة بها في محيط نيالا، إلى جانب مؤشرات على حصولها على طائرات مسيّرة بعيدة المدى ومنصات إطلاق متطورة.
وقال اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر إن المسيّرات أصبحت سلاحاً حاسماً بسبب دقتها وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالطيران الحربي، إضافة إلى عدم تعرض مشغليها للخطر. وأوضح أن تشغيل المسيّرات الكبيرة يتطلب خبرات تقنية لا تتوفر لدى قوات الدعم السريع، ما يدفعها إلى الاستعانة بجهات خارجية. وأضاف أن الجيش ضيّق الخناق على الدعم السريع في كردفان ودارفور عبر استخدام مسيّراته، ما دفع الأخيرة إلى استهداف مرافق مدنية أكثر من تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.
ويرى محللون أن معارك دارفور وكردفان تقدم نموذجاً لفهم طبيعة «حروب السماء»، حيث يمكن للمسيّرات أن تمنح أحد الطرفين تفوقاً تكتيكياً، لكنها قد تقود أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة. وتشير تقارير صحافية إلى أن الدعم السريع يمتلك قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش، بما في ذلك صواريخ محمولة على الكتف مثل «سام 7»، ومنظومات قصيرة المدى أكثر تطوراً، بينها طرازات صينية مثل «FK-2000».
وتؤكد مصادر متعددة أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مناطق خاضعة لسيطرته، كما حدث في بورتسودان في مايو 2025. وفي سبتمبر من العام نفسه، ذكرت تقارير أن الجيش نشر مسيّرات محلية مقاومة للتشويش خلال معارك في كردفان ودارفور، مع رصد أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة خلال هجمات على مدينة الأبيض.
وأثار إسقاط طائرات مسيّرة كبيرة مثل «بيرقدار أكينجي» جدلاً واسعاً، بعد إعلان قوات الدعم السريع إسقاط طائرات من هذا النوع فوق نيالا في يناير الحالي، وسط ترجيحات باستخدام منظومات صينية قصيرة المدى.
وتكشف المعطيات الميدانية عن وجود مزيج من منظومات الدفاع الجوي، من الطرازات المحمولة إلى الأنظمة الأكثر قوة، ما يرفع تكلفة تشغيل المسيّرات ويجبرها على تغيير ارتفاعاتها ومساراتها. وفي المقابل، تطور الصراع ليشمل التشويش ومقاومته، مع امتلاك الجيش مسيّرات مضادة للتشويش، ما جعل المعركة تدور بين أنظمة اتصال وتحكم وتشويش.
ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» إلى ارتفاع كبير في ضربات المسيّرات وتأثيرها على المدنيين، مؤكداً أنها أصبحت جزءاً أساسياً من الحرب، رغم عدم قدرتها وحدها على حسمها قبل إحداث شلل لوجيستي يضعف قدرة الخصم على المناورة.
وقال المهندس أسعد التاي إن المسيّرات ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، خصوصاً في أم درمان، بينما طورت قوات الدعم السريع استخدامها لها بعد انتقالها إلى دارفور. وأوضح أن الحسم بالمسيّرات ممكن إذا ترافق مع تقدم بري، وإلا فإن سباق التطوير والاعتراض قد يقود إلى استنزاف متبادل.
وأشار نائب القائد العام للجيش الفريق شمس الدين كباشي إلى أن فك حصار الدلنج يمثل تقدماً كبيراً للقوات المسلحة، مؤكداً أن المرحلة التالية تتجه نحو كادوقلي. واعتبر أن ما تحقق يعكس تحولاً في مسار العمليات ودوراً محورياً للمسيّرات في دعم القوات على الأرض.
ويحذر مراقبون من أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متطورة ومنظومات إسقاط واعتراض في بيئة تسمح بالتشويش قد يحول القتال الجوي إلى حرب تقنية طويلة، تزيد من الخسائر المدنية وتعمّق الأزمة الإنسانية.
