سودان تمورو:
ملأت الكارثة التي حلت بالسودان “الشقيق ” الدنيا وشغلت الناس، وبات الجميع مترقبا للمصير، وسط تشاؤم قوم، وتفاؤل آخرين.
الأيام لا تزيد الوضع في السودان إلا غموضا، وانشغل المحللون السياسيون والمراقبون بالحدث الجلل الذي نزل على الأمة العربية والإسلامية فأثخن جراحها.
المحلل السياسي د.عمرو الشوبكي يرى أن السودان بات أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: السيناريو الأول هو استمرار المعارك لأسابيع محدودة تنتهي بسيطرة الجيش على الخرطوم والمدن الكبري (وهناك مؤشرات أولية لذلك)وانتقال الدعم السريع إلي دارفور وخوض حرب عصابات في مواجهه الجيش لاستنزافه وليس هزيمته.
وعن السيناريو الثاني يقول الشوبكي: هو الحرب الطويلة التي لا يحسم فيها طرف المعارك لصالحة وهنا كل الأخطار ستكون حاضرة: آلاف الضحايا من المدنيين تدمير شبه كامل للبنية التحتية وخطر تفكك السودان ليصبح نموذج لدولة فاشلة منسيه يهتم العالم فقط بنقل رعاياه ومنع تدفق اللاجئين وجماعات التطرف إلي خارج حدود السودان.
وقال الشوبكي إن المطلوب أن يعي المجتمع الدولي بخطر الوضع في السودان وأن يسعي الجميع لوقف إطلاق النار وترجيح مميزات السيناريو الأول أي الحفاظ على ماتبقي من الدولة السودانية والبحث عن مخرج سياسي جراحي يراهن على رجل جسر بين الأطرف المختلفة وينهي الصراع المسلح والمرحلة الانتقالية ويؤسس بشكل تدريجي لمنظومة حكم جديدة.
الأجنحة المتصارعة
من جهته قال د.إسماعيل صبري مقلد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إن هذه الأجنحة المتصارعة علي السلطة في السودان أخذت هذا البلد البائس وراءها في طريق لا يدري احد ما سوف تكون عليه نهايته.. من المسار الانتقالي نحو استقرار الاوضاع السياسية والمدنية، والانطلاق منها الي اعادة اعمار ما خربته هذه السنوات الطويلة من الدكتاتورية والنهب والفساد، واخراجه من ظروفه الاقتصادية والحياتية المأساوية، وها هم يتحركون به الآن في مسار غامض لكنه محفوف بالكثير من المخاطر والأهوال.
وأضاف مقلد أنه مع هذه المشاعر المفرطة في عدائيتها، والمتطرفة في أساليب التعبير عنها، التي يضمرها كل من الطرفين المتصارعين للآخر ويعلن عنها ولا يخفيها ، فإنه لا يمكن ان تتوفر قاعدة مشتركة لاي تفاوض او حوار يجمعهما ببعضهما علي طاولة واحدة، لان نية الحل لهذه الازمة القومية المدمرة لديهما غائبة، والأهداف والمصالح التي تحركهما متعارضة، والاسس التي يبني عليها كل منهما حساباته تبدو لنا ابعد ما تكون عن بعضها ولا يجمعها ببعضها رابط مشترك.
ولفت مقلد إلى أن كلا منهما ينظر تحت اقدامه وليس الي ما هو ابعد منها ليري ما تنذر به المؤشرات علي حقيقتها وهي كثيرة ومرعبة.
وقال إن كل ما نراه هو حشود عسكرية واستعراضات قوة وتدمير متبادل وحياة مشلولة وضحايا مدنيين ابرياء بالآلاف.. ونازحين ومشردين باعداد متزايدة يهرعون نحو الحدود التماسا للهروب والبحث عن ملاذ آمن يحميهم من الحرب التي تدور داخل بلدهم مشيرا إلى أن هذه هي الصورة العامة للأوضاع الحالية في السودان بلا زيادة او نقصان.
وتابع مقلد : “اذا كانت التدخلات الخارجية بصورها المباشرة وغير المباشرة يمكن ان تزيد الأزمة السودانية الراهنة تعقيدا وتطيل امدها بتداعياتها ومضاعفاتها السياسية والامنية المحتملة ، وتجذب الي ساحتها قوي خارجية غير مرئية او محسوب حسابها الآن ، كما حدث في الازمتين السورية والليبية بشكل خاص ، فإن ترك ادارة الازمة لهذين الفريقين المتصارعين وحدهما وبالاسلوب العنيف والدموي الذي نراه الآن ، سوف ينتهي علي الارجح بتمزيق وحدة السودان الوطنية ، وتفكيكه ، وربما باسقاط الدولة السودانية نفسها وافشالها وافلاسها واغراقها في مسننقع الفوضي والضياع “.
وتابع مقلد: “وبين بديل التدخل الخارجي المرفوض ، وبديل الانفراد بادارة الازمة بالحرب والسلاح وبهذا الشكل الكارثي المتهور وغير المسئول ، تكمن معضلة السودان ، فمع تفاقم الانقسامات والصراعات والتحزبات التي تسحق السودان ، ومع كثرة الاذرع الخارجية المشبوهة التي تتحرك في العلن والخفاء ، فإن فرص التوصل الي مخرج توافقي مقبول وقابل للتنفيذ من هذه الازمة السياسية بل والوجودية الرهيبة ، يبدو شبه مستحيل أن لم يكن هو المستحيل نفسه، فلا اي انقلاب عسكري جديد لاستعادة الأمن وفرض النظام والانضباط المفقود عاد ممكنا باي شكل ، ولا القوي المدنية الحاضرة علي الساحة السياسية حاليا تملك من ادوات التغيير او من آليات التحكم والسيطرة علي هذه الاوضاع المتسيبة والمنهارة ، ما يجعلها البديل الاقدر او الافضل علي اداء الدور الوطني المطلوب منها في الوقت الحاضر،وهو ما جعل السودان يقف الآن امام حائط سد حيث لا يستطيع التقدم او التراجع ، وهو ما يضعه في قلب الخطر لا يعرف كيف يبتعد عنه او يخرج منه”.
ووصف مقلد أستاذ العلوم السياسية كارثة السودان بأنها واحدة من أسوأ ازمات الحكم العربية التي عايشناها في السنوات الاخيرة ، لافتا إلى أنها أزمة أضاعت نصف السودان وتركت النصف الآخر تحت رحمة الظروف.
السودان يحترق
في ذات السياق تساءل الأكاديمي المصري د.عباس شراقي أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة: أين حكماء السودان؟ و أين الجامعة العربية؟ أين الاتحاد الأفريقى والسودان يحترق؟!
وأضاف شراقي أن الاشتباكات العسكرية المؤسفة بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع التى اندلعت مع منتصف الشهر الجارى سوف تضفى بظلالها على مزيد من تردى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على دولة وشعب السودان الشقيق، الذى يعانى الأمرّين من أسوأ ظروف اقتصادية فى العصر الحديث، ويترتب على الصراع المسلح الحالى تفاقم مشكلة الأمن الغذائى التى يعانى فيها أكثر من 10 ملايين مواطن (21% من السكان) أزمة غذائية طاحنة طبقا للتقرير العالمى السنوى السادس عن أزمات الغذاء 2022، والتأثير على الأمن المائى نتيجة عدم انتظام الكهرباء وبالتالى عدم انتظام محطات مياه الشرب، والرى، والمصانع، ونقص الأغذية، ونقص الوقود، وارتباك الخدمات الصحية، والتعليمية والمصرفية، وحركة التجارة الداخلية والخارجية.
وأضاف شراقي أن تأثير استمرار الصراع المسلح يزيد إثيوبيا تعنتاً وانفراداً بقرارات الملء والتشغيل، واستغلالاً لتوقف المفاوضات وعدم إمكان استئنافها فى الوقت الراهن قد يجعل إثيوبيا أن تزيد من كمية التخزين الرابع عن طريق مزيد من تعلية جسم سد النهضة.
وخلص إلى أن الأحداث الجارية سوف تؤكد على مزيد من التوقف لمفاوضات سد النهضة المتوقفة بالفعل منذ أكثر من عامين منذ ابريل 2021 حيث اللقاء الأخير للجان المفاوضات فى كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية.
واختتم مؤكدا أن المهم الآن هو إنقاذ السودان بحكمة عقلاء السودان، وبمساعدة من مصر والمنظمات الدولية، لافتا إلى أن الفرصة سانحة أمام الجامعة العربية والاتحاد الأفريقى لإثبات الذات.
