الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالات الرأينار لا تنطفئ: كيف صنع الإسلام الشعبي السودان… وكيف كسره الإسلام السياسي...

نار لا تنطفئ: كيف صنع الإسلام الشعبي السودان… وكيف كسره الإسلام السياسي بقلم عبد الحافظ سعد الطيب

سودان تمورو:

في السودان، لم يكن الإسلام في جوهره مشروع دولة، بل مشروع مجتمع. تشكّل ما يُعرف بالإسلام الشعبي خارج مؤسسات الحكم، بوصفه منظومة أخلاقية تحفظ التوازن، وتحدّ من العنف، وتوفّر للناس ملجأً معنويًا في أزمنة القهر والضيق.
هذا الإسلام لم يُقِم نفسه على الخوف، بل على الثقة، ولم يُبنَ على الإكراه، بل على القبول الاجتماعي.
في قلب هذا المسار، لعب التصوف دورًا مركزيًا، لا بوصفه طقسًا روحيًا، بل نظام تربية أخلاقية يربط الإنسان بمعنى أعمق للوجود.
التصوف وعلم الباطن: تربية النفس قبل ضبط المجتمع

انبثق التصوف من ما عُرف بـ علم الباطن، وهو السعي إلى تهذيب النفس وتزكيتها، والانتقال بالدين من مستوى الامتثال الشكلي إلى مستوى المعنى. لم يكن الباطن نقيضًا للشريعة، بل روحها.
برز في هذا المسار أعلام كبار شكّلوا الوعي الصوفي عبر القرون، منهم:
الإمام أبو حامد الغزالي: الذي أعاد وصل الفقه بالأخلاق، والعلم بالعمل.
الحسين بن منصور الحلاج: الذي دفع ثمن القول بالمعنى في زمن السلطة.
الشيخ عبد القادر الجيلاني: الذي ربط التصوف بخدمة المجتمع.
أبو الحسن الشاذلي: الذي أسّس للتصوف العامل داخل الحياة.
محيي الدين بن عربي: الذي نقل التصوف إلى أفق الفلسفة العرفانية.
مع ابن عربي، بلغ التصوف ذروة فكرية عبر مفهوم وحدة الوجود، حيث الوجود الحقيقي واحد، وما عداه تجليات. هنا قُسِّم الدين إلى شريعة (ظاهر) وحقيقة (باطن)، لا على سبيل الانفصال، بل على سبيل العمق.

اسم الله «الصمد»: المفتاح الأخلاقي للتصوف

من الأسماء الإلهية المركزية في الوعي الصوفي اسم الله «الصمد»، الوارد في سورة الإخلاص.
الصمد هو السيد الذي كمل في سؤدده، وهو المقصود في الحوائج، والملجأ عند الشدائد، والغني عن كل شيء، القائم على كل شيء، الباقي الذي لا يزول.
فسّره ابن عباس رضي الله عنهما بقوله:
«الصمد هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته».
في الوعي الصوفي، لم يكن اسم «الصمد» مجرد مفهوم عقدي، بل برنامج تربية:
الصيام تهذيبًا للنفس، لأن الصمد غني لا يحتاج.
الزهد تدريبًا على الاستغناء، لأن الصمد لا يُستغنى عنه.
خدمة الناس لأنهم يصمدون في حوائجهم إلى الله.
ومن هنا ظهرت تعبيرات شعبية عميقة مثل: «صمد الساقي»: أي الذي يروي العطاش بفضله.
«صمد الجزيرة»: أي السيد المقصود، الملجأ، والقيّم على الناس.
من العرفان إلى الاستعراض: حين فُرّغ الباطن من معناه

ما نراه اليوم من “روحانيات” مصنوعة، في الإعلام والواقع، ليس امتدادًا لهذا الفهم، بل نسخة مفرغة منه.
شيوخ شباب، متجملون، أثرياء، يتعاملون مع الصورة لا مع المجاهدة، ومع السوق لا مع العرفان.
هنا لم يعد «الصمد» ملجأً، بل اختفى من الخطاب، لأن السوق لا يعترف إلا بالاستهلاك.
هذه الظواهر ارتبطت بشبكات أموال ونفوذ، وتقاطعت مع الدولة العميقة، فصار الباطن واجهة ناعمة، لا قوة أخلاقية.

الإسلام السياسي: حين كُسرت المعادلة

الإسلام السياسي لم يفهم التصوف، ولم يتحمله.
لأن التصوف، في جوهره، يُقيّد السلطة بالأخلاق.
لذلك سعى إما لتدجينه، أو تشويهه، أو استبداله بنسخ زائفة.
ومع الزمن، تآكل الضمير العام، وصار الدين خطاب تبرير، لا ميزان عدل.

الشيخ أزرق طيبة: صمد الجزيرة وصمد الساقي

في هذا السياق، يبرز [الشيخ] المهندس والزعيم السياسي عبد الله بن الشيخ أحمد الريح، شيخ السجادة العركية بالسودان، المشهور بـ أزرق طيبة، لا بوصفه فردًا، بل رمزًا أخلاقيًا.
أزرق طيبة هو صمد الجزيرة:
قصده الناس حين تخلّت الدولة عنهم، والتفّ حوله الثوار لأنه كان ملجأً لا متسلّقًا.
وهو صمد الساقي:
روى العطش الأخلاقي في زمن الجفاف، وسقى المعنى حين جفّ الخطاب.
السجادة العركية، تاريخيًا، لم تكن طريقة ذكر فقط، بل مؤسسة اجتماعية مستقلة، قادرة على قول “لا”. ومن هذا الإرث وقف أزرق طيبة بلا وجل في وجه طغيان دولة تنظيم الحركة الإسلامية، محافظًا على استقلال التكية وكرامة التصوف.
وحين صمدت الجزيرة، وصمد الساقي، كان ذلك صمودًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا.

نار التقابه لا تنطفئ
ما دُمّر في السودان ليس الحجر فقط، بل القيم.
لكن ما لم يُدمَّر هو هذا الخيط العميق:
الإسلام الشعبي، التصوف، معنى الصمد، وذاكرة الموقف.
هذه نار لا تُرى، لكنها تُنقذ.
نار لا تحرق، لكنها تُنير.
وقد تُطمس… لكنها لا تنطفئ.

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات