سودان تمورو:
ذاكرة العمل والحنين في مشروع الجزيرة
حين نفتح دفاتر الذاكرة في وسط السودان، وننصت إلى لونسات الآباء والأجداد في أمسيات القرى، تطالعنا حكايات “رحيل المواسم” بوصفها جزءًا أصيلًا من إيقاع الحياة، لا مجرد تنقّلٍ للعمل. كان الرحيل فعلًا جماعيًا، وطقسًا اجتماعيًا، ومخزنًا للذكريات التي شكّلت وجدان أجيال كاملة، خاصة في مواسم الزراعة الكبرى، وعلى رأسها موسم جني القطن.
ارتبط رحيل المواسم تاريخيًا بمشروع الجزيرة، ذلك المشروع العملاق الذي أسسه المستعمر البريطاني رسميًا عام 1925، عقب اكتمال خزان سنار وشق شبكة القنوات والترع التي حوّلت سهول الوسط إلى واحدة من أكبر المناطق الزراعية المروية في أفريقيا. لم يكن المشروع مجرد بنية اقتصادية، بل أعاد تشكيل المجتمع، وأنماط العيش، وحركة الناس بين القرى والحواشات ومراكز العمل.
في وسط السودان، كان موسم جني القطن هو العنوان الأبرز للرحيل. مع بدايات الموسم، تتحرك القرى في صمتٍ منظم؛ الرجال والنساء، الشباب وحتى كبار السن، يحملون زوادتهم البسيطة، وأدواتهم، وأغانيهم. الرحيل لم يكن دائمًا قسرًا، بل في كثير من الأحيان كان خيارًا فرضته الحاجة، وكرّسته ثقافة الاعتماد على العمل الموسمي كمصدر رزق أساسي.
في منطقة المناقل، التي اكتمل شق ترعها لاحقًا ضمن توسعة المشروع، كان الرحيل يحمل طابعًا خاصًا. أهل القرى هناك عاشوا بين حواشاتهم وأرضهم، لكنهم في مواسم الذروة كانوا يشدّون الرحال إلى مناطق أخرى داخل المشروع، حيث تتكثف الحاجة للأيدي العاملة. كانت العربات والدواب وحتى السير على الأقدام في بعض الأحيان، وسائل مألوفة للوصول إلى مواقع العمل.
لم يكن الرحيل مجرد انتقال جسدي، بل انتقال ثقافي أيضًا. في معسكرات العمل المؤقتة، اختلطت لهجات السودان، وتجاورت الثقافات، وتبادل الناس الحكايات والأغاني والأمثال. هناك، في الحقول، وُلدت صداقات عابرة للمناطق، وتكوّنت ذاكرة جمعية لا تزال حاضرة في الوجدان. أغاني القطن، وأهازيج العمل، كانت تخفف وطأة التعب، وتحوّل الجهد إلى فعلٍ مشترك يربط بين الأفراد.
اقتصاديًا، لعب رحيل المواسم دورًا محوريًا في استقرار الأسر. عائد القطن كان يُنتظر ليغطي مصروفات العام: تعليم الأبناء، ترميم البيوت، سداد الديون، وشراء الاحتياجات الأساسية. كانت العودة من الموسم لحظة احتفال صامت، تختلط فيها فرحة الكسب بتعب الجسد، وتُستقبل بقصص تُروى مرارًا في ليالي القرية.
اجتماعيًا، ترك الرحيل أثره العميق. غياب الرجال لفترات طويلة أعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة، فحملت النساء مسؤوليات مضاعفة، وأثبتن قدرة عالية على إدارة شؤون الحياة اليومية. كما أسهم الرحيل في تشكيل وعيٍ مبكر بقيمة العمل الجماعي، والانضباط، والصبر، وهي قيم ظلت ملازمة لأبناء وسط السودان حتى اليوم.
غير أن رحيل المواسم لم يكن خاليًا من المشقة. ظروف العمل القاسية، وطول ساعات الجني تحت الشمس، والسكن المؤقت البسيط، كلها كانت جزءًا من التجربة. ومع ذلك، لم تُروَ هذه المشاق غالبًا بروح الشكوى، بل بروح الاعتزاز، كأنها شهادة انتماء لزمنٍ “كان فيه العمل شرفًا”.
مع تراجع دور مشروع الجزيرة في العقود الأخيرة، وتغير أنماط الاقتصاد، انحسر رحيل المواسم تدريجيًا، لكنه لم يغادر الذاكرة. بقي حاضرًا في الحكايات، وفي النصوص الأدبية، وفي أشعار أبناء الوسط، بوصفه رمزًا لزمن التضامن والبساطة، وزمن كانت فيه الأرض تجمع الناس بدل أن تفرّقهم.
إن استدعاء رحيل المواسم اليوم ليس حنينًا مجردًا للماضي، بل دعوة لإعادة قراءة تجربة اجتماعية واقتصادية غنية، يمكن أن تلهم الحاضر. ففي تلك الرحلات الموسمية، تعلم الناس معنى العمل المشترك، وقيمة الأرض، وأهمية الثقافة في تنظيم الحياة. وربما، في استعادة هذه الذاكرة، نجد بعضًا من الإجابات عن أسئلة واقعنا الراهن، حيث لا تزال الأرض، كما كانت دائمًا، هي نقطة البداية.
الراكوبة
