سودان تمورو
*بسم الله الرحمن الرحيم*
*في زمنٍ تتزاحم فيه النماذج الحضارية على تشكيل وعي الإنسان، تبرز المقارنة بين منظومتين مختلفتين جذرياً في رؤيتهيما للإنسان عموماً والطفولة والنساء خصوصاً؛ الثورة الإسلامية في إيران بوصفها مشروعاً قيمياً روحياً. والمنظومة الغربية الحديثة بوصفها مشروعاً مادياً ليبرالياً. وبين الرؤيتين تتباعد المسافة حتى يُصبح المشروعان على طرفي نقيض في القيم الإنسانية.*
*في رؤية وتجربة الجمهورية الإسلامية، لا يُنظر إلى الطفل باعتباره كائناً بيولوجياً يُترك لصراعات الكسب المادي وتنافسية السوق والثقافة الاستهلاكية، بل يُعتَبَر مشروع إنسانٍ كاملٍ يُراد له أن يتربى على الارتباط بالسماء قبل الأرض.*
*برامج تلاوة القرآن الكريم، جلسات الأدعية، الاعتكاف، احياء مراسم ومواسم اهل البيت ع، أناشيد الانتظار كـ«سلام يا مهدي»، ومناسبات بلوغ سنّ التكليف الشرعي— خصوصاً لدى الفتيات — تتحول إلى طقوس عبورٍ معنوي، تُشعر الناشئة بأنهم يدخلون عالماً من المسؤولية الأخلاقية والكرامة الروحية* *الحجاب هنا لا يُقدَّم كقطعة قماش، بل كرمز انتماءٍ لقيم العفاف والاحتشام، وكإعلانٍ مبكر عن أن الجسد ليس سلعةً ولا أداة عرض.*
*هذا البناء الرمزي والأخلاقي يهدف — في فلسفته — إلى شدّ الطفل نحو “الكمالات الروحية”، وتوطين النفس على قيم التضحية، التوکل، الصبر، الارتباط بالقدوة الربّانية، والإحساس بأن للحياة معنى يتجاوز اللذة الآنية.*
*في المقابل، تواجه المنظومة الغربية – من خارجها ومن بعض داخلها – نقداً واسعاً، بأنّ دفعها باتجاه نزع القداسة عن شعور وادراك الطفولة، وترويجها للإعلان التجاري المتجاوز لاعمارهم، وصناعة الترفيه المتهتك، والتعليم الجنسي السابق لأوانه، هي مما أغرق الطفولة في عوالم العنف المفرط، ومستنقعات الميول الشاذة، والفردانية الحادة، فالتسليع المبكر للذات، لتصل حد فقدان معاني القيم والمشاعر الإنسانية. ظواهر مثل حوادث إطلاق النار في المدارس، انتشار االأمراض النفسية المعقدة والسلوكيات الجنسية الشاذة، تمثل مؤشرات وشواهد واضحة الدلالة على خللٍ قيمي عميق متشعب ومركب الأسباب لدى الأطفال.*
*فضائح الاستغلال الجنسي والإنتهاك المتوحش للطفولة، وكشف شبكات الاعتداء، الاتجار، القتل وأكل البشر، كما في قضية جفري ابستين، التي تورطت فيها أبرز الشخصيات النافذة سياسياً ومالياً واعلامياً بين قيادات المنظومة الغربية والشخصيات الدائرة بفلكهم، تشكل دليلاً مادياً ملموساً آخر، ليس على افتقار المنظومة الغربية لأدنى القيم الإنسانية فحسب، بل وعلى فشلها القانوني والحقوقي، طبقاً لمبادئ القانون الانساني الدولي. ما زاد من حدة التساؤلات داخل الغرب حول قدرة المنظومة القانونية الغربية على حماية القُصَّر من انتهاكات نخب المال والسلطة والإعلام.*
*أما في حالة المرأة، فتتجلى المفارقة بأشدّ صورها حضوراً. بين انموذجي الثورة الإسلامية والنطام الغربي، ففي فكر الثورة الإسلامية وخطابها، تُقدَّم المرأة كإنسانٍ مُكرَّم تُصان كرامته عبر منظومة العفاف والحجاب، وسنّ القوانين الحافظة لحقوقها والرادعة عن انتهاكها، لحمايتها من الاستغلال الجسدي والإعلاني. فجسد المرأة ليس أداة تسويق، ولا وسيلة جذب بصري، بل وعاء روحٍ وعقل ورسالة.*
*بينما يرى نقّاد تجربة المنظومة الغربية مع المرأة، المتمثل في جعلهم إياها أداة للإعلانات التسويقية، وصناعة الموضة، والجذب الإعلامي، قد حوّلت جسد المرأة إلى سلعة بصرية تُستثمر لإغراء المستهلك. وأن خطاب “الحرية الفردية” استُخدم لتبرير أنماط من الاستغلال التجاري أو الجنسي، أو التسليع المهدر للإنسانية عبر تقنين التكسب بالبغاء، وصولاً إلى ادارة شبكات الرقيق الأبيض، والاتجار بالبشر، بتواطؤ السلطات العليا في المنظومة الغربية، رغم اعتباره جريمة عالمية عابرة حسب القانون الدولي.*.
*إن جوهر الاختلاف بين الانموذجين يتجاوز المظاهر، وينفذ إلى تعريف “الحرية” نفسه .. في الرؤية الإسلامية التي تنادي بها الثورة، الحرية هي الانطلاق نحو الكمال المعنوي والمادي معاً؛ حريةٌ من عبودية الشهوة، لا حريةُ الارتهان لها. حريةٌ تضبط الغريزة ولا تُطلقها بلا سقف. ومن هنا تُفهم برامج العفاف، والحجاب، والتنشئة الدينية القيمية، بوصفها أدوات تحريرٍ روحي لا أدوات تقييد.*
*أما في الفلسفة الليبرالية الغربية، فالحرية الشخصية تُعرَّف غالباً بوصفها حقّ التصرف الفردي بالجسد والاختيارات الشخصية ما دامت لا تخرق القانون. وهي حرية فتحت أبواباً قانونيةً لتسليع الجسد وتفكيك الضوابط الأخلاقية الفطرية عند البشر، ما أوجد فراغاً روحياً قاتلاً في الغرب وجعل الحياة بلا قيمة او هدف.
الأمر الذي أذهل العالم وهو يشاهد التزايد المضطرد في حالات الإكتئاب والإعاقات النفسية والإنتحار، ليبلغ الإنسان حداً يخرج فيه عن بشريته ويتحول إلى حيوان. وهو ما ينذر بانهيار تام للإنسانية لو سارت على طريقهم..*
*بين النموذجين إذن، لا نقف أمام اختلاف سياسات، بل أمام اختلاف إنسانٍ يُراد بناؤه: إنسانٍ تُشكّله السماء أولاً، أو إنسانٍ تُشكّله السوق والرغبات أولاً. وفي المسافة بين السماء والسوق، يستمر الجدل .. وتستمر كل منظومة في تقديم أطفالها ونسائها بوصفهم الشاهد الأبلغ على صدقية مشروعها القيمي والحضاري.*
