الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تختبر إيران هيبة أمريكا ويُعاد رسم توازن الردع!.. بقلم سعد الدين...

حين تختبر إيران هيبة أمريكا ويُعاد رسم توازن الردع!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

تعود جنيف لتحتل واجهة المشهد الدولي مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن، مفاوضات تأتي مثقلة بإرث التصعيد العسكري الذي تفجّر عقب حرب الأيام الاثني عشر بين إيران من جهة، وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى. ورغم أن الطاولة الدبلوماسية توحي بالهدوء، فإن الحقيقة أن الطرفين ما زالا يقفان عند ذات الخطوط الحمراء التي أوقفت المسار التفاوضي سابقاً، دون أن يظهر في الأفق ما يشير إلى تراجع جوهري في المواقف.

إيران تدخل هذه الجولة وهي تتمسك بما تعتبره حقوقاً سيادية غير قابلة للمساومة. في مقدمة تلك الحقوق مسألة تخصيب اليورانيوم، التي تراها طهران حقاً مشروعاً لا يملك أحد نزعه منها، لا سيما أن النظام الدولي نفسه يعترف نظرياً بحق الدول في تطوير برامج نووية سلمية. ومن منظور أوسع، فإن احتكار عدد محدود من الدول للسلاح النووي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، لا يمنحها امتيازاً أخلاقياً يحرم الآخرين من امتلاك أدوات الردع ذاتها. فإذا كان منطق الردع النووي مقبولاً حين يخدم القوى الكبرى، فلماذا يصبح تهديداً حين تسعى إليه دولة خارج الفلك الغربي؟ في عالم لا يعترف إلا بتوازن القوة، يصبح السؤال عن “العدالة النووية” سؤالاً سياسياً بامتياز.

أما البرنامج الصاروخي الإيراني، فهو بالنسبة لصنّاع القرار في طهران ليس ملفاً تفاوضياً تقنياً، بل ركيزة أمن قومي. في نظام دولي تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه المواثيق، لا يمكن لدولة أن تتخلى عن قدراتها الردعية وتنتظر حسن نوايا الآخرين. التجارب الإقليمية من العراق إلى ليبيا، حاضرة بقوة في الذهنية الاستراتيجية الإيرانية، حيث ارتبط التفريط في أدوات الردع بمآلات كارثية. لذلك فإن مطالبة إيران بتقليص برنامجها الصاروخي تُقرأ في طهران بوصفها مطالبة بكشف الخاصرة الاستراتيجية لا أكثر.

وفي ما يتعلق بعلاقات إيران مع حركات المقاومة في المنطقة، ترى طهران أن الطلب الأمريكي بقطع هذه العلاقات يفتقر إلى الواقعية السياسية. لأن العلاقة ليست علاقة تبعية ميكانيكية يمكن إنهاؤها بقرار فوقي، بل هي علاقة تقاطع مبادئ ورؤية مشتركة للصراع في المنطقة. كما أن هذه الحركات، رغم الحصار والضغوط، أثبتت قدراً من الاستقلالية والاعتماد على الموارد الذاتية، ما يجعل الرهان على تلاشيها تلقائياً بمجرد فك الارتباط الإيراني رهاناً مبسطاً يتجاهل تعقيدات الواقع.

في المقابل لا تبدو الولايات المتحدة منخرطة في هذا الملف بدافع ضرر مباشر لحق بها بقدر ما تنخرط بدافع إدارة النفوذ والهيبة. واشنطن التي تخوض تنافساً عالمياً مع روسيا والصين، تنظر إلى الملف الإيراني أيضاً من زاوية الرسائل الاستراتيجية لحلفائها وخصومها على حد سواء. إخضاع إيران – أو على الأقل تقييدها بشروط صارمة – يُعد في الحسابات الأمريكية استعادة لهيبة مفقودة وإعادة تثبيت لقواعد اللعبة الإقليمية.

غير أن الطرف الأكثر حساسية تجاه صعود إيران يبقى إسرائيل، التي ترى في تعاظم القوة الإيرانية تهديداً مباشراً لمشروعها الإقليمي. من هذا المنظور، يصبح الضغط الأمريكي على طهران متقاطعاً بقوة مع الحسابات الإسرائيلية التي تخشى من تكريس توازن ردع يحد من حرية حركتها في المنطقة.

هناك من يراهن على أن الاقتصاد قد يشكل نقطة التقاء. فإيران تملك سوقاً كبيرة واحتياطات طاقة هائلة، وأمريكا تملك شركات عملاقة في مجالي الطاقة والتكنولوجيا. لكن حتى هذا المسار ليس خالياً من التعقيدات. فالعقلية الأمريكية تقوم على مبدأ “الكسب النسبي”، أي السعي لأن تكون الحصة الأكبر من المكاسب لها، بينما تصر طهران على مبدأ الندية وترفض أن تتحول إلى سوق تابعة أو مصدر خام يُشترى بأسعار زهيدة. هذا التباين في الفلسفة الاقتصادية يعكس في جوهره تبايناً في تصور العلاقة بين المركز والأطراف.

يبقى خيار الحرب حاضراً في الخطاب، ولو بوصفه أداة ضغط. الولايات المتحدة دفعت بحاملات طائراتها إلى المنطقة، ورفعت سقف التصريحات، لكنها تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية. فإيران تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتتمتع بعمق جغرافي وبنية عسكرية موزعة قادرة على إدارة حرب استنزاف طويلة. في حال اندلاع مواجهة شاملة، ستسعى طهران – وفق تقديرات كثيرة – إلى اختيار أهدافها بعناية، مركّزة على البنى الاقتصادية والعسكرية الحيوية للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، دون أن تستنزف قدراتها دفعة واحدة أو في أهداف هامشية.

في المقابل لن تكون إيران بمنأى عن الأضرار، إذ يمكن لأي حرب أن تلحق خسائر كبيرة ببنيتها التحتية واقتصادها. لكن معادلة الكلفة العالية على جميع الأطراف تجعل خيار الحرب أقرب إلى ورقة تهديد منه إلى قرار محسوم.

فواشنطن إن خاضت الحرب، تخاطر بخسائر بشرية ومادية وبمزيد من الاستنزاف الاستراتيجي، وإن تراجعت دون مكاسب واضحة، فإنها تواجه انتقادات تتعلق بالهيبة.

من هنا تبدو مفاوضات جنيف أشبه بمسار طويل مليء بالمنعرجات، حيث يختبر كل طرف صبر الآخر وحدود تحمله. إيران تؤكد أنها لن تتنازل عن حقوقها الأساسية، وأمريكا تواصل التلويح بالعقوبات والضغط العسكري. غير أن الحسابات الباردة تشير إلى أن أي تسوية مستدامة لن تقوم إلا على الاعتراف المتبادل بحدود القوة وبمنطق الندية لا على فرض الإملاءات.

في نهاية المطاف قد لا يخرج أحد منتصراً بالمعنى الكلاسيكي، لكن الثابت أن المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تعريف لتوازن الردع. بين منطق “قانون الغاب” ومنطق “السيادة المتكافئة”، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وجنيف ليست سوى ساحة اختبار لإرادتين تعرفان أن كلفة الانفجار أكبر بكثير من كلفة الاعتراف المتبادل بحدود القوة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات