سودان تمورو:
أعادت زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو إلى أوغندا، وظهوره بالزي الإفريقي خلال لقائه مع الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، فتح باب التأويل حول رسائل الزيارة ودلالاتها السياسية، خاصة بعد أن خاطبه موسيفيني بصفته قائداً للدعم السريع فقط، متجنباً الاعتراف بما يسمى “حكومة التأسيس الموازية” التي جاء بوفدها الكامل.
الزيارة – بما حملته من صور ورموز – تبدو محاولة من دقلو لإعادة صياغة موقعه الإقليمي بعد خسارات سياسية وعسكرية مؤثرة، لكن رمزية “الزي الإفريقي” تحديداً تستحق قراءة أعمق.
- محاولة استمالة الوجدان الإفريقي عبر الرمزية الثقافية
ارتداء الزي الإفريقي لا يظهر فقط كخطوة بروتوكولية، بل كمسعى للتأكيد بأن حميدتي جزء من هوية القارة، وأن مشروعه يمكن أن يجد اعترافاً أو استيعاباً في الفضاء الإفريقي.
فالسودان تاريخياً ظل أقرب إلى المحيط العربي، لغة وثقافة وسياسة، وهو ما ساهم – كما يرى محللون – في تغذية مسار انفصال جنوب السودان الذي استند على فروقات الهوية واللغة والثقافة.
ومن هذا الباب، يبدو أن حميدتي يحاول إعادة “تعريف نفسه” سياسياً وإعادة بيع مشروعه عبر بوابة الانتماء الإفريقي.
- الموقف السعودي… نقطة التحول الكبرى
شهدت الفترة الأخيرة تحولاً واضحاً في موقف السعودية تجاه الدعم السريع، إذ أعلنت الرياض دعمها الصريح للجيش والسلطة الشرعية، رغم مشاركة وحدات من الدعم السريع سابقاً في عمليات «عاصفة الحزم».
هذا التغيّر مثّل ضربة موجعة لمشروع حميدتي السياسي، ودفعه إلى البحث عن ظهير جديد، وجعل الخيار الإفريقي هو الأقرب في محاولة لملء هذا الفراغ.
- مصر… الجار الأكثر تأثيراً وموقفها الصارم من “التأسيس الموازية”
لا يمكن فصل خطوات حميدتي عن الموقف المصري الواضح منذ بداية الحرب:
القاهرة دعمت الجيش السوداني بشكل صريح، ورفضت – بلا لبس – أي تعامل مع مليشيا الدعم السريع أو مشروع حكومته الموازية.
الدور المصري، باعتبارها الجار الأكثر اتصالاً وتأثيراً في المشهد السوداني، مثّل جدار صد مهم ضد تمدد مشروع حميدتي السياسي، وزاد من عزلته الإقليمية.
ومع تماسك الموقف المصري والسعودي معاً، تراجع هامش المناورة الإقليمي لقائد الدعم السريع بشكل حاد.
- تراجع الدعم السريع ميدانياً… وصعود “مشروع الانفصال” كخيار بديل
مع التقهقر العسكري السريع للدعم السريع خلال الأشهر الماضية، وفقدانه لنقاط المبادرة في معظم الجبهات، إضافة إلى انسحاب مجموعات كبيرة من مقاتليه، بدأت تطفو على السطح أحاديث حول مشروع انفصال غرب السودان كخيار يتم تداوله داخل دوائر الدعم السريع.
التحليل السياسي يشير إلى أن حميدتي قد يعتبر خيار الانفصال “مخرجاً سياسياً” من واقع تراجع نفوذه وغياب الاعتراف الدولي به، لكن هذا المشروع يظل ميتاً عربياً في ظل موقف السعودية ومصر ودول عربية أخرى، ولا يمكن أن يجد أي سند إلا داخل الإقليم الإفريقي.
⸻
- لماذا الحضن الإفريقي إذاً؟
يحاول حميدتي بناء مشروعه السياسي على قاعدة إفريقية للأسباب الآتية:
- كينيا: استقبلت وفود “التأسيس الموازية” وقدمت إشارات إيجابية.
- تشاد: ترتبط بها مكونات إثنية مع قيادات الدعم السريع وقد توفر قاعدة احتياطية في حال تطور الصراع.
- يوغندا: رغم أن موسيفيني لم يعترف بأي صفة حكومية لحميدتي خلال اللقاء، إلا أن المستقبل قد يفتح أبواباً جديدة حسب التوازنات في المنطقة.
هذه الدول قد تمثل “نواة محتملة” لأي مشروع سياسي يحاول حميدتي إعادة هندسته، بما في ذلك خيار الانفصال إن أصبح مطروحاً بجدية داخل الدوائر الضيقة.
خلاصة المشهد
الزيارة والرمزية الإفريقية ليست مجرد نشاط دبلوماسي…
إنها محاولة لالتقاط أنفاس سياسية في لحظة تراجع، وفتح بوابات إفريقية لتعويض خسارات عربية وإقليمية، خصوصاً بعد المواقف الواضحة لكل من السعودية ومصر في دعم الجيش ورفض أي شرعنة لمليشيا الدعم السريع.
ومع الهزائم الميدانية وتراجع القوة البشرية، فإن السيناريوهات تبدو مفتوحة… ومنها سيناريو “غرب السودان المستقل” الذي تلوّح به الآن مجموعات داخل مشروع حميدتي.
التيار
