سودان تمورو:
لم يكن المشهد في أوغندا تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل كان رسالة سياسية مكتملة الأركان. فحين جرى التعامل مع محمد حمدان دقلو “حميدتي” بوصفه قائداً لقوات الدعم السريع، لا رئيساً لكيانٍ معلن تحت مسمى “حكومة تأسيس”، بدا الأمر وكأن الإقليم نفسه يسحب البساط من تحت المشروع قبل أن يشتد عوده. هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح.. هل فشلت “حكومة التأسيس” فعلاً؟ وأين موطن الخلل؛ في بنية الدعم السريع ذاته أم في هشاشة من تحالفوا معه؟
منذ أن فقد الدعم السريع ولاية الخرطوم وانكمش حضوره في نطاقات محدودة من دارفور وبعض مناطق كردفان، بدا واضحاً أن المعركة لم تعد عسكرية فحسب، بل صارت معركة سردية وشرعية. القوة التي خرجت من قلب العاصمة، وتراجعت إلى الأطراف، أدركت أن استعادة زمام المبادرة لا يمكن أن تتم بالبندقية وحدها، فاختارت طريق التحالفات الهجينة.. مدنية وعسكرية، أيديولوجية ومصلحية. تحالف مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، ومع بعض حركات دارفور الصغيرة، ومع قيادات من تنسيقية “تقدم”، في محاولة لصياغة مشهد يبدو أكثر قومية وأقل عشائرية.
كان هدف الدعم السريع واضحاً.. إعادة تعريف نفسه. الانتقال من صورة مليشيا ذات جذور قبلية إلى كيان عابر للجغرافيا والهويات الضيقة. أراد أن يلبس عباءة “المشروع الوطني”، وأن يستفيد من العلاقات الخارجية التي تملكها بعض تلك المكونات، وأن يوسّع رقعة سيطرته وعدد مقاتليه عبر التحالف مع الحركات المسلحة. لكن السؤال الحاسم.. هل تحققت هذه الغايات؟
على المستوى العسكري، لم تُضف الحركات المتحالفة وزناً نوعياً يُعتد به. بعض حركات دارفور المتحالفة صغيرة حدّ التلاشي، حضورها أقرب إلى بيانات سياسية منه إلى تأثير ميداني. أما الحركة الشعبية – شمال، برئاسة عبد العزيز الحلو، فهي تنظيم ذو عقيدة قتالية واضحة، لكنه منكمش جغرافياً في مناطقه التقليدية، ومقيّد بحسابات دقيقة. داعموه الخارجيون – أمريكا وإسرائيل – لا يرغبون في تمددٍ دراماتيكي يقلب الموازين، بل في تثبيت واقع جغرافي قائم واستخدامه كورقة ضغط لا أكثر. وهكذا، لم يتحول هذا التحالف إلى قوة ضاربة تعوّض خسارة الخرطوم أو تغيّر ميزان الحرب جذرياً.
أما على المستوى السياسي، فقد راهن الدعم السريع على القيادات المدنية المتحالفة معه لفتح أبواب الاعتراف الدولي. ظن أن العلاقات والعواصم التي يعرفها هؤلاء يمكن أن تُترجم إلى شرعية، وأن الإعلان عن “حكومة تأسيس” سيمنح العالم عنواناً مدنياً للتعامل. لكنه فوجئ – كما فوجئ حلفاؤه – بأن الثقل السياسي ليس مجرد شبكة علاقات أو صور في مؤتمرات، بل هو قدرة على التأثير وصناعة التوازنات. كثير من تلك القيادات لم تكن تملك وزناً يتجاوز حضورها الإعلامي، ولا نفوذاً يمكن أن يقنع دولة بتغيير موقفها.
ثم إن المشكلة لم تكن تقنية أو شكلية، بل بنيوية وأخلاقية. فالدعم السريع، منذ نشأته، ظل ملتصقاً بسرديات الانتهاكات، وتضاعفت هذه السرديات بعد اندلاع الحرب. الدول – حتى الأكثر براغماتية – تحسب حساب صورتها أمام شعوبها وبرلماناتها، ولا تسعى لأن تبدو وكأنها تعترف بكيان تلاحقه اتهامات جسيمة. الاعتراف ليس مجاملة سياسية، بل استثمار طويل الأمد في كيان يُفترض أن يكون قادراً على الاستقرار وضبط الأمن. وهنا اصطدمت “حكومة التأسيس” بحقيقة قاسية.. لا سيطرة كاملة على الأرض، لا احتكار مشروع للقوة، ولا نموذج حكم يُغري الخارج بالمراهنة عليه.
اللافت أن كل طرف في هذا التحالف دخل وهو يحمل أجندته الخاصة. الدعم السريع أراد شرعية قومية ونافذة خارجية، والحركات المسلحة الصغيرة أرادت موطئ قدم في معادلة كبرى، وبعض القيادات المدنية رأت في التحالف فرصة للعودة إلى المسرح السياسي من بوابة السلطة. لكن حين عجز الدعم السريع عن استتباب الأمن في مناطقه، وحين بدت “الحكومة” عاجزة عن ممارسة وظائفها الأساسية، انكشف التناقض.. سلطة بلا دولة، ومناصب بلا مؤسسات، وبيانات بلا سيطرة فعلية.
السؤال.. هل العيب في الدعم السريع أم في ضعف المتحالفين معه؟ في الحقيقة، يكمن الخلل في الاثنين معاً، ولكن بدرجات مختلفة. الدعم السريع يحمل عبئه البنيوي الثقيل؛ فهو قوة نشأت في سياق أمني خاص، وتكوّنت بعيداً عن تقاليد الدولة الحديثة، ومحاولة تحويله فجأة إلى نواة حكومة قومية تبدو أقرب إلى قفزة في الفراغ. أما الحلفاء، فقد بالغوا في تقدير قدرتهم على ترويض قوة عسكرية صلبة، أو الاستفادة منها دون أن يذوبوا في صورتها. فوجدوا أنفسهم بين مطرقة فقدان المصداقية وسندان واقع ميداني لا يرحم.
التعامل الأوغندي مع حميدتي كقائد للدعم السريع، لا كرئيس حكومة، لم يكن حادثة معزولة، بل مؤشراً على أن الإقليم نفسه لم يقتنع بالسردية الجديدة. الاعتراف يبدأ غالباً من الجوار، فإذا لم يترسخ إقليمياً، يصعب أن يتحقق دولياً. وحين يُختزل المشروع السياسي في شخص قائد عسكري، دون مؤسسات راسخة أو اعتراف فعلي، فإن “الحكومة” تتحول إلى عنوان رمزي أكثر منها كياناً قائماً.
في ضوء ذلك، يبدو أن تحالف “التأسيس” لم يحقق الأهداف الكبرى لأي من أطرافه. الدعم السريع لم يحصل على الشرعية القومية المنشودة، والحركات المسلحة لم تكسب قوة استراتيجية حاسمة، والقيادات المدنية لم تجد دولة تمارس فيها الحكم. ومع استمرار الضغط العسكري والسياسي، ومع تعاظم كلفة الارتباط بكيان مثير للجدل، فإن مشهد الانسحابات المتتالية يبدو احتمالاً راجحاً. فالتحالفات التي تقوم على الضرورة المؤقتة، لا على رؤية جامعة ومشروع متكامل، سرعان ما تتآكل من الداخل.
هكذا قد لا يكون السؤال.. هل فشلت “حكومة التأسيس”؟ بل.. هل وُلدت أصلاً كي تفشل؟ ما جرى حتى الآن يوحي بأن المشروع كان محاولة لتعويض خسارة ميدانية بسردية سياسية، لكن السردية بلا أرض صلبة، وبلا اعتراف معتبر، لا تكفي لصناعة دولة. وفي السياسة، كما في الحرب، من لا يملك تعريفاً مقنعاً لنفسه في أعين الآخرين، يبقى أسير تعريفهم له.
