الإثنين, يونيو 1, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهدنة بلا توازن هي إعلان مؤجل للهزيمة!.. بقلم أحمد حسن

هدنة بلا توازن هي إعلان مؤجل للهزيمة!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو

في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس الهدن بعدد الأيام التي تصمد فيها، بل بصلابة المعادلة التي أنتجتها. وقف إطلاق النار ليس بيانًا إنشائيًا يُتلى أمام الكاميرات، بل هو خلاصة ميزان قوى تشكّل بالنار والدم والقدرة على الإيلام المتبادل. وعندما تأتي الهدنة قبل اكتمال هذا الميزان، فإنها لا تكون إلا فاصلًا زمنيًا بين جولة وأخرى، وليست خاتمة لصراع مفتوح.

الهدنة الحقيقية لا تُصنع من رغبة أخلاقية مجردة في السلام، بل من قناعة استراتيجية عميقة لدى الأطراف المتحاربة بأن الاستمرار مكلف إلى حد العبث. حين يصل الجميع إلى إدراك أن سقف المكاسب قد لامس حدّه الأقصى، وأن الخسائر مرشحة للتصاعد دون مقابل سياسي ملموس، عندها فقط يصبح وقف النار تتويجًا لتوازن ردع متبادل، لا استراحة يفرضها الإنهاك من طرف واحد.

أما الهدنة التي تُفرض في لحظة اختلال واضح في موازين القوى، فهي تحمل في طياتها رسالة خطيرة: أن الضغط العسكري يؤتي ثماره، وأن كلفة المغامرة ما زالت ضمن حدود الاحتمال. في مثل هذه الحالة، يتحول وقف إطلاق النار إلى سابقة تُغري بتكرارها، لا إلى درس يردع عن إعادة إنتاجها. ويصبح السلام المؤقت جزءًا من استراتيجية إدارة الصراع لا حله، وأداة لإعادة ترتيب الأوراق تمهيدًا لجولة أكثر قسوة.

في قراءة المشهد الراهن، يتبدى بوضوح أن السؤال ليس: هل إيران تريد الحرب أم تريد السلام؟ بل: هل تملك معادلة تجعل الحرب خيارًا خاسرًا للخصم؟ هذا هو جوهر الردع. الردع لا يعني إطلاق التهديدات، ولا الاكتفاء بخطاب تعبوي يرفع المعنويات؛ بل يعني بناء قدرة فعلية تجعل التفكير في العدوان مغامرة غير محسوبة العواقب. وحين يغيب هذا الردع، تصبح كل هدنة وعدًا ضمنيًا بانفجار قادم.

البيئة الدولية بدورها لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق المصالح الباردة. العالم لا يرتبك إلا عندما تُمس بنيته الاقتصادية أو تُهدد مصالحه الحيوية. فإذا لم تتجاوز تداعيات الصراع حدود الإزعاج السياسي أو القلق الإعلامي، فإن الضغوط ستتجه غالبًا نحو تثبيت التهدئة السريعة، لا نحو معالجة جذور الاختلال. وهنا تكمن المعضلة: تهدئة بلا معالجة تعني إعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي فجّرت المواجهة.

إقليميًا الفراغ الذي يخلّفه غياب الردع لا يبقى شاغرًا طويلًا. في عالم التحالفات المتحركة، كل ضعف نسبي يُقرأ باعتباره فرصة لإعادة التموضع، وكل ارتباك يُترجم إلى اصطفافات جديدة. الدول لا تنتظر اتضاح الصورة كي تحمي مصالحها؛ بل تبادر إلى التموضع مع الطرف الذي يبدو أكثر قدرة على فرض وقائعه. وهكذا تتحول الهدنة غير المتكافئة إلى عامل يعيد تشكيل الخريطة السياسية لمصلحة الطرف الأقوى.

إن أخطر ما في الهدنة غير المتوازنة أنها تخلق وهم الاستقرار. الشارع يتنفس الصعداء، والأسواق تهدأ نسبيًا، والخطاب السياسي يتحدث عن “فرصة لإعادة البناء”. لكن تحت هذا السطح الهادئ، تبقى جذور الصراع حية، وربما أكثر تغذية من ذي قبل. فالطرف الذي شعر بأنه حقق اختراقًا دون ثمن باهظ سيعيد حساباته على قاعدة أن التجربة نجحت، وأن بالإمكان تطويرها في الجولة التالية.

من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تثبيت وقف إطلاق النار، بل في استثماره لإعادة بناء ميزان قوى مختلف. الهدنة يمكن أن تكون فرصة تاريخية إذا تحولت إلى ورشة شاملة لإعادة ترميم القدرات، وإصلاح الثغرات، وبناء شبكة ردع تجعل أي اعتداء مستقبلي مغامرة انتحارية سياسيًا واستراتيجيًا. لكنها، في المقابل، قد تكون فخًا إذا اكتُفي فيها بترميم الصورة دون معالجة الخلل البنيوي في معادلة القوة.

السلام لا يُولد من رحم الرغبات، بل من رحم التوازن. وكل هدنة لا تستند إلى هذا التوازن هي سلام هش، أقرب إلى هدير منخفض لمعركة مؤجلة. وبين هدنة تُبنى على الندية وهدنة تُفرض تحت الضغط، يكمن الفارق بين استقرار قابل للحياة، واستراحة قصيرة قبل أن تعود المدافع إلى الكلام بلغة أشد قسوة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات