الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباربين الاستقلال والتشويه..  حين تتحول الاتهامات إلى سلاح في معركة الإرادات

بين الاستقلال والتشويه..  حين تتحول الاتهامات إلى سلاح في معركة الإرادات

 

خاص سودان تمورو

في الأزمنة المضطربة التي تتكاثر فيها خطوط الصراع وتتشابك فيها الحسابات الإقليمية والدولية، لا تعود المعارك مقتصرة على ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى ساحات أخرى أكثر تعقيداً: ساحات الخطاب السياسي، وتشكيل الوعي العام، وصناعة الروايات التي تحدد في النهاية كيف يُفهم الصراع ومن يقف في أي معسكر. وفي مثل هذه اللحظات الملبدة بالضباب، تتكاثر الاتهامات كما تتكاثر الشائعات، ويصبح التشكيك في النوايا أداة من أدوات الصراع لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.

في هذا السياق تبرز السجالات الأخيرة التي أثارها تحالف “صمود” تجاه كتيبة البراء بن مالك، في محاولة لربطها بأجندات خارجية ونسبتها إلى مشاريع لا تعبر عن قناعاتها المعلنة ولا عن خطابها السياسي. هذه الاتهامات، مهما تعددت صيغها، تعكس في جوهرها نمطاً مألوفاً في الصراعات السياسية داخل المنطقة، حيث يتحول الاتهام بالارتهان للخارج إلى وسيلة سريعة لتقويض الخصوم أو نزع الشرعية عنهم أمام الرأي العام.

لكن ما يكشفه هذا الجدل في حقيقته أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر. فهو يعكس حالة أوسع من الصراع على تعريف الهوية السياسية للمشاريع التي ترفع شعارات المقاومة والتحرر. ففي عالم تتداخل فيه المصالح الإقليمية، وتتشابك فيه خطوط الدعم والخصومة، يصبح السؤال عن الاستقلالية في القرار السياسي والعسكري سؤالاً مركزياً يطرح نفسه على كل القوى الفاعلة في المنطقة.

إن مفهوم الاستقلالية هنا لا يعني بالضرورة العزلة أو القطيعة مع محيط إقليمي أوسع، بل يعني قبل كل شيء امتلاك القدرة على اتخاذ القرار انطلاقاً من رؤية ذاتية وأولويات محلية، لا وفق إملاءات خارجية. فالتاريخ السياسي في الشرق الأوسط مليء بتجارب حركات وقوى فقدت قدرتها على المناورة حين تحولت إلى أدوات ضمن صراعات الآخرين، كما أنه مليء أيضاً بنماذج أخرى حاولت الحفاظ على مساحة من القرار المستقل رغم تعقيد البيئة الإقليمية.

ومن هذا المنظور، فإن الاتهام بالارتباط بقوى إقليمية بعينها، ومنها الحرس الثوري الإيراني، أصبح في الخطاب السياسي المعاصر أشبه بتصنيف جاهز يُستخدم أحياناً لتبسيط واقع شديد التعقيد. فالعلاقات بين الفاعلين في المنطقة ليست دائماً علاقات تبعية مباشرة، بل قد تكون في كثير من الأحيان تقاطعات مصالح ظرفية أو التقاءً مؤقتاً حول عدو مشترك.

الشرق الأوسط، منذ عقود، يعيش داخل شبكة متشابكة من التحالفات غير التقليدية. ففي ظل غياب نظام إقليمي مستقر، ووسط تعدد بؤر الصراع من فلسطين إلى اليمن، ومن لبنان إلى العراق، نشأت أنماط جديدة من العلاقات السياسية والعسكرية التي لا يمكن فهمها دائماً بمنطق التحالفات الكلاسيكية الصارمة. ولهذا يصبح من السهل على الخصوم السياسيين توظيف هذه التعقيدات لصياغة سرديات تتهم هذا الطرف أو ذاك بأنه مجرد امتداد لمشروع خارجي.

غير أن هذه السرديات، مهما بدت مقنعة للبعض، غالباً ما تتجاهل حقيقة أساسية في معادلات الصراع الإقليمي: أن كثيراً من الحركات التي ترفع راية المقاومة ترى نفسها جزءاً من معركة أوسع ضد الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تقاطع مع قوى أخرى تتبنى الخطاب نفسه يُفسَّر في نظرها باعتباره تقاطعاً في الأهداف لا تبعية في القرار.

هذا التداخل بين الاستقلالية والتقاطع في المصالح هو ما يجعل النقاش حول هذه القضايا شديد الحساسية. فالقوى التي تطرح نفسها بوصفها جزءاً من مشروع تحرري أوسع تحرص في العادة على تأكيد استقلالها التنظيمي والسياسي، وفي الوقت نفسه لا تخفي تقاربها مع أطراف أخرى تشترك معها في العداء لإسرائيل أو في رفض الهيمنة الغربية على المنطقة.

وفي قلب هذا الجدل تبقى القضية الفلسطينية، بالنسبة لكثير من هذه القوى، محوراً مركزياً في تعريف طبيعة الصراع. فالصراع مع إسرائيل، في خطاب هذه الحركات، ليس مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل صراع وجودي يرتبط بالهوية والحقوق التاريخية والسيادة على الأرض. ومن هذا المنظور يصبح أي طرف يقف في مواجهة المشروع الإسرائيلي حليفاً موضوعياً في معركة أكبر، حتى لو لم يكن جزءاً من البنية التنظيمية نفسها.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن هذه المقاربة نفسها تثير مخاوف لدى أطراف أخرى داخل المنطقة، ترى في تمدد النفوذ الإقليمي لبعض القوى تهديداً لتوازنات حساسة. ولهذا يتخذ الجدل أحياناً طابعاً حاداً، حيث يتحول النقاش من نقاش حول الاستراتيجيات إلى تبادل للاتهامات ومحاولات لنزع الشرعية السياسية.

في نهاية المطاف، يعكس هذا السجال صورة مصغرة عن حالة الاستقطاب التي تعيشها المنطقة بأسرها. فبين خطاب يركز على وحدة جبهات المقاومة ضد إسرائيل، وخطاب آخر يحذر من تحولات النفوذ الإقليمي، تتشكل روايات متنافسة يحاول كل طرف من خلالها كسب الرأي العام وإعادة تعريف موقعه داخل معادلة الصراع

ومهما اختلفت المواقف من هذا الطرف أو ذاك، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراعاً عسكرياً صرفاً، بل أصبح أيضاً صراعاً على الرواية والشرعية والقدرة على إقناع المجتمعات بعدالة القضية التي تُرفع باسمها الشعارات. وفي مثل هذا الصراع، قد تكون الكلمة أحياناً بقدر تأثير الرصاصة، وقد يصبح الاتهام السياسي أداة لا تقل فاعلية عن أي سلاح آخر في معركة الإرادات المفتوحة في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات