السبت, يونيو 6, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكي لا تصبح المقاومة انتحاراً.. لماذا تستميت الهيمنة العالمية لكسر النموذج الإيراني؟.....

كي لا تصبح المقاومة انتحاراً.. لماذا تستميت الهيمنة العالمية لكسر النموذج الإيراني؟.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو

منذ سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، دخل العالم في حقبة جديدة أُعيدت فيها صياغة موازين القوى وفق سردية القطب الواحد. وفي هذا المشهد المعقد، لم يعد العالم ينظر إلى دول كبرى مثل روسيا والصين بوصفها قوى ثورية تقاوم “الاستكبار العالمي” أو تسعى لتقويض النظام الدولي القائم، بل تحولت – رغم تناقضاتها الأيديولوجية مع الغرب – إلى أركان أصيلة في بنية هذا النظام. فقد أدى اندماجها العميق في شرايين الاقتصاد العالمي ومؤسساته الحاكمة إلى ترويض نزعتها المحافظة، لتصبح جزءاً من اللعبة الدولية؛ تنافس على النفوذ والمصالح داخلها، ولا تسعى بالضرورة لتحطيم قواعدها.

وعلى النقيض من ذلك، تقف كوريا الشمالية خارج أسوار هذا النظام، متمسكة برفضها الانخراط فيه. بيد أن هذا الرفض يقترن بنمط من الحكم الشمولي والانغلاق القاسي الذي يصادر الحريات الأساسية، مما يجعل من بيونغ يانغ نموذجاً باهتاً وغير قابل للاستنساخ أو الإلهام. فالممانعة التي تورث شعوبها عزلة خانقة وانسداداً في الأفق السياسي، تعجز تماماً عن إقناع العالم بأنها السبيل الأوحد أو الأمثل لاسترداد الكرامة والتحرر من قبضة الهيمنة.

في خضم هذه الثنائية الحادة، يتجلى النموذج الإيراني كحالة استثنائية عصية على التصنيف التقليدي. فمنذ انطلاق ثورتها، تتبنى طهران خطاباً لا يساوم في مقاومة الهيمنة، طامحةً إلى إرساء نظام دولي أكثر توازناً ينتصر فيه ميزان العدالة للضعيف في مواجهة جبروت القوي. وما يمنح هذه التجربة زخمها الحقيقي ليس مجرد صلابة موقفها الخارجي، بل قدرتها اللافتة على المزاوجة بين ثقافة المقاومة ولغة العصر السياسية. فمن خلال آليات ديمقراطية وانتخابية، يجد الناخب نفسه شريكاً فاعلاً في هندسة مشهد بلاده السياسي، سواء عبر الاقتراع المباشر لاختيار رئيس الجمهورية، أو من خلال انتخاب “مجلس الخبراء” الذي يمتلك الصلاحية الدستورية العليا لتنصيب المرشد الأعلى للثورة أو حتى عزله.

هذا التناغم الفريد بين التمسك بثوابت المقاومة وتفعيل أدوات المشاركة الشعبية، يجعل من النظام الإيراني نموذجاً مثالياً في عيون كل من ينشد الحرية ويرفض الارتهان والتبعية. وهنا يكمن جوهر المأزق الذي تعيشه القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ فالقضية لم تعد مجرد خلاف على ملفات جيوسياسية طارئة أو نفوذ إقليمي متمدد، بل هي معركة وجودية ضد “فكرة” قادرة على التمدد والإلهام.

تدرك الإدارة الأميركية وأقطاب النظام الدولي أن كسر هذا النموذج لا يهدف فقط إلى تحجيم دولة بعينها، بل يرمي بالأساس إلى تهشيم فكرة “المقاومة” ذاتها في الوعي الجمعي للأحرار حول العالم. إنهم يسعون بكل ما أوتوا من قوة لكيّ الوعي، وترسيخ قناعة زائفة مفادها أن الخضوع هو ذروة العقلانية والقبول بالأمر الواقع، وأن أي محاولة للمقاومة أو التمرد على المركزية الغربية ليست سوى ضرب من ضروب “الانتحار” السياسي والخراب الحتمي.

ولعل من الإنصاف القول إنه مهما تباينت الرؤى الأيديولوجية والعقدية بين بيئاتنا وبين طهران، فإن التجربة الإيرانية تظل شاخصة كنموذج عملي للانفكاك من حالة الاستعمار الحديث الذي يلتف حول أعناق الشعوب بطرق ناعمة وخشنة على حد سواء. إن انتصار هذا النموذج وتجاوزه لفخاخ الحصار والحرب يعني بالضرورة انتصاراً لقيم السيادة، وهو ما سيعزز ثقافة المقاومة، وينذر بمشهد قريب تنهض فيه دول وجماعات شتى لترفع رايات الرفض في وجه جلاديها.

نحن أمام صراع تاريخي على “المعنى”؛ صراع تحاول فيه قوى الاستكبار طمس ثقافة المقاومة وشيطنتها كفعل انتحاري، في حين تثبت الوقائع أن التمرد على الظلم هو الطريق الوحيد لصناعة نظام دولي لا يُسحق فيه الضعفاء تحت أحذية الأقوياء. إنها ببساطة معركة الاختيار الدائم بين أن تكون شريكاً حراً في تقرير مصيرك، أو أن تقبل صاغراً بأن تكون مجرد هامش مسلوب الإرادة في دفتر النظام الدولي القائم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات