سودان تمورو
في اللحظة التي تعجز فيها آلة الحرب عن تحقيق نصر عسكري واضح، تتحول غريزياً نحو الهدف الأكثر هشاشة والأقل حماية: الشعب. ليست هذه ملاحظة عابرة، بل هي القانون الثابت في الاستراتيجية العسكرية الغربية الحديثة، خاصة في نسختيها الأمريكية والإسرائيلية. التصريح الأخير لقيادة “سنتكوم” الأمريكية، الذي يحاول تبرير استهداف المناطق السكنية في إيران بادعاء استخدامها لأغراض عسكرية، ليس سوى ضوء أحمر ينذر بمرحلة جديدة أكثر خطورة في العدوان. إنه الإعلان الرسمي عن نية تحويل المدنيين إلى أوراق ضغط، ورهائن في معركة إرادات. هذا النمط ليس جديداً، بل هو منهج مدروس، يمكن تتبعه عبر عقود من الصراعات، من أدغال فيتنام إلى أحياء غزة، مروراً بجبال لبنان ومدن يوغوسلافيا.
لطالما روّجت الدعاية الغربية لأسطورة “الحرب النظيفة” و”الضربات الجراحية”، لكن السجل التاريخي يكشف عن حقيقة أكثر قتامة. ففي حرب فيتنام، عندما واجهت القوات الأمريكية مقاومة شرسة من “الفيتكونغ”، لم تتردد في تبني استراتيجية “القصف المكثف” التي حوّلت قرى بأكملها إلى رماد، واستخدمت المواد الكيميائية لتحويل الغابات إلى صحارى. الهدف لم يكن عسكرياً بحتاً، بل كان نفسياً: كسر إرادة الشعب. نفس المنطق تكرر في يوغوسلافيا، حيث استهدفت طائرات الناتو الجسور ومحطات الطاقة والبث الإذاعي، ليس لأنها أهداف عسكرية حيوية فحسب، بل لأن تدميرها يشلّ حياة المدنيين ويدفعهم لليأس. في ليبيا، تحولت الحملة الجوية من “حماية المدنيين” إلى تدمير منهجي للبنية التحتية، مما مهد الطريق لانهيار الدولة.
أما إسرائيل، فقد حولت هذا النهج إلى فن. في حرب لبنان 2006، بدأت بتدمير مطار بيروت والجسور والطرق، لفرض حصار شامل. ثم، مع استمرار المقاومة، توسع القصف ليشمل الأحياء السكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة واضحة لخلق موجة نزوح جماعي وضغط اجتماعي هائل. هذا النموذج تكرر بتفاصيل مروعة في غزة، حيث تتبع القصف الإسرائيلي نمطاً ثلاثياً واضحاً: يبدأ بقصف مكثف لخلق صدمة ورعب، ثم ينتقل لاستهداف البنية التحتية الحيوية (الماء، الكهرباء، المستشفيات) لخلق أزمة إنسانية، وينتهي بتصعيد وحشي أخير قبل أي هدنة محتملة، لانتزاع أكبر قدر من التنازلات.
هذا النموذج الثلاثي – الصدمة، ثم الضغط الاجتماعي، ثم الضربة التفاوضية الأخيرة – هو ما نشهده اليوم في الحرب ضد إيران. الهجوم على مدرسة ميناب لم يكن خطأً أو حادثاً، بل كان رسالة مدروسة تهدف إلى زعزعة الأمان النفسي للمجتمع. والآن، مع وصول العدوان إلى طريق مسدود عسكرياً، تبدأ التهديدات باستهداف البنية التحتية الاقتصادية والحضرية، وهي خطوة متوقعة في “مرحلة الضغط الاجتماعي”. التصريحات الأمريكية الأخيرة هي مجرد تبرير مسبق لهذه الجريمة، ومحاولة لخلق غطاء قانوني وهمي لها.
الخطر الحقيقي يكمن في المرحلة الثالثة، مرحلة ما قبل الهدنة. التاريخ يخبرنا أن واشنطن وتل أبيب، عندما تدرك أن تكلفة الحرب أصبحت باهظة، لا تتوقف، بل تزيد من وحشيتها. إنهم يعتقدون أن قصف الأحياء السكنية وتهديد المدنيين سيجبر طهران على قبول شروطهم على طاولة المفاوضات. إنها لعبة نفسية قذرة، تستخدم الدم الإيراني كعملة تفاوضية.
لكن ما يغفله مخططو هذا السيناريو هو أن إيران ليست يوغوسلافيا ولا ليبيا. لقد خاضت ثماني سنوات من الحرب المفروضة، وخرجت منها أكثر صلابة. لقد تعلمت أن الضعف هو الدعوة للعدوان، وأن الردع هو لغة السلام الوحيدة. المواجهة اليوم تتطلب أكثر من مجرد الصمود، بل تتطلب قلب المعادلة. يجب تحويل حماية المدنيين من نقطة ضعف محتملة إلى جزء من استراتيجية الردع. هذا يعني بناء منظومة دفاع اقتصادي واجتماعي لا تقل صلابتها عن منظومة الدفاع العسكري، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتطوير قدرات ردعية غير تقليدية تجعل أي اعتداء على شعب إيران مغامرة مجنونة.
استهداف المدنيين ليس “خطأ تكتيكياً” أو “ضرراً جانبياً”، بل هو استراتيجية مقصودة للضعفاء استراتيجياً، والأقوياء إجرامياً. إنه اعتراف بالعجز عن تحقيق النصر في ساحة المعركة الشريفة، واللجوء إلى حرب الغدر. لكن إيران، بشعبها الذي تعلم دروس التاريخ، وبقيادتها التي تعرف ثمن السيادة، قادرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة. فرصة لإثبات أن إرادة الأمة التي ترفض الاستسلام أقوى من كل قنابل العالم، وأن الدماء البريئة التي يسعون لسفكها لن تضعفها، بل ستزيدها إصراراً على النصر.
تشريح العقلية الأمريكية-الإسرائيلية في حروب المدن!.. بقلم نزار احمد
مقالات ذات صلة
- Advertisment -<>>
