الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف فضحت "استراتيجية الجنون" عمى العقل الاستراتيجي الغربي؟.. بقلم أمير عباس

كيف فضحت “استراتيجية الجنون” عمى العقل الاستراتيجي الغربي؟.. بقلم أمير عباس

سودان تمورو

في مساحة لا تخلو من الاستعلاء المبطن، أطل علينا الكاتب والمحلل الأميركي توماس فريدمان عبر صحيفة نيويورك تايمز بنظرية تبدو في ظاهرها مثيرة، يصف فيها الإستراتيجية الإيرانية بأنها تعتمد على مبدأ “التفوق في الجنون على الخصم”. فريدمان، الذي يُعدّ من صُناع الرأي البارزين في واشنطن، أبدى استغرابه من وتيرة وجرأة التحركات الإيرانية، معترفاً في الوقت ذاته بهشاشة دول الخليج وانكشاف القواعد الأميركية وتأثرها المباشر بتلك التحركات. غير أن تفكيك هذه التصريحات يقودنا إلى استنتاج مغاير تماماً؛ فما يطرحه فريدمان ليس تحليلاً إستراتيجياً عميقاً بقدر ما هو اعتراف قسري وغير متعمد بتغير معادلات القوة في المنطقة.

هذا الطرح يعكس بوضوح حالة العجز والقصور في بنية العقل التحليلي الغربي عن استيعاب منطق الردع الإيراني الجديد وكيفية إدارته للصراع. إن ما يصفه “كبير المحللين” الغربيين باستراتيجية الجنون، هو في جوهره هندسة دقيقة لـ “رفع كلفة التجاوز” على المعتدي. فطهران لم تعد تكتفي بردود الفعل العسكرية التقليدية أو الاستعراضية، بل انتقلت إلى مربع الفعل المؤسس، حيث الهدف الأسمى هو إعادة صياغة الحسابات الإستراتيجية لعالم الغد، وتكبيل يدي الخصم بقواعد اشتباك جديدة لا يملك رفاهية تجاهلها.

وفي ثنايا حديثه عن انكشاف دول الخليج والقواعد الأميركية وتأثرها بأي تصعيد، يقدم فريدمان إقراراً مجانياً بأن جغرافيا الحرب المحتملة باتت تلعب ضد المصالح الأميركية بامتياز، وأن فاتورة أي حماقة ستكون باهظة وموجعة لدرجة لا يمكن تحملها. وهنا تكمن رسالة طهران البليغة التي تُملي حقيقتها ببطء ولكن بحزم على دول المنطقة، ومفادها أن وقت فك الارتباط الأمني والدفاعي مع واشنطن قد حان، فالدرع الأميركي لم يعد حصيناً، والمراهنة عليه باتت رهاناً خاسراً في ظل موازين القوى المستجدة.

بالتالي، فإن ما تمارسه إيران ومحور المقاومة ليس انزلاقاً نحو “الجنون” كما يحلو للمطابخ الغربية أن تسوقه، بل هو التجسيد الحي لـ “الردع غير المتماثل”. إنها إستراتيجية صلبة تهدف إلى إظهار الحجم الحقيقي للقدرات الكامنة، وفرض نظام إقليمي جديد لا يُرسم في أروقة البيت الأبيض، بل يُصاغ وفق الرؤية والمصالح العليا للمقاومة. نحن أمام ولادة منطقة جديدة كلياً، تُخط خرائطها بأيدي أصحاب الأرض، لا بأقلام القوى المهيمنة التي اعتادت تفصيل الجغرافيا على مقاس مصالحها.

وإذا كان لا بد من الحديث عن “الجنون” بمفهومه الحرفي والإجرامي، فهو حكر على أولئك الذين يستقوون بالترسانات الفتاكة لإسقاط أطنان المتفجرات فوق رؤوس الأطفال، وتدمير المستشفيات والمدارس فوق ساكنيها. هذا هو الجنون الفعلي؛ إرهاب دولة ممنهج يسعى عبثاً لترويع الخصم وإجباره على التراجع والتنازل، معتقداً أن فائض التدمير والغطرسة يمكن أن يكسر إرادة الشعوب ويثنيها عن التمسك بحقوقها.

في المحصلة، لقد تجاوزت طهران مرحلة الدفاع عن الذات أو الرد الموضعي، وبدأت عملياً في كتابة معادلات المستقبل بقواعدها الخاصة. إنها تعبر اليوم منعطفاً تاريخياً حاسماً، تاركة للمنظرين الغربيين أمثال فريدمان مهمة البحث عن مصطلحات سيكولوجية تداري خيبتهم الإستراتيجية، بينما يفرض الميدان حقائقه الصلبة التي تؤكد أن زمن الهيمنة أحادية القطب في الشرق الأوسط قد ولى إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات