سودان تمورو
كيف حوّلت معادلة الردع في الجنوب عودة مستوطني الشمال إلى ورقة إسقاط سياسي، وكشفت الخسائر المسكوت عنها مأزق الحرب بلا أفق
لم تعد معادلات السياسة في تل أبيب تُكتب في الكنيست وحده. فمنذ توسّع المواجهة على الجبهة اللبنانية في أيلول 2024، بات “الخوف من حزب الله” هو اللاعب الأكثر تأثيراً في غرف القرار الإسرائيلي. هو خوف لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بعدد الكراسي الفارغة في مستوطنات الشمال، وبعدد الأسئلة التي لا يجرؤ نتنياهو على الإجابة عنها أمام جمهوره.
المفارقة التي فضحت المأزق جاءت بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024: عاد أهالي الجنوب اللبناني إلى قراهم المدمرة خلال دقائق، بينما بقيت كريات شمونة و”كفار يوفال” مدن أشباح. مستوطنون يقولونها بلا مواربة: “الاتفاق أعرج ويعيد الوضع إلى ما كان عليه: حزب الله سيسلح نفسه، إنها مسألة وقت فقط”. آخرون قرروا البقاء في أماكن النزوح حتى نهاية العام الدراسي على الأقل: “لن نعود إلى الخوف المستمر من السقوط وتسلل الإرهابيين”.
هذا المشهد وحده يلخّص معضلة بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي بنى سرديته السياسية على “القوة والردع”، يجد نفسه اليوم أمام حرب كشفت أن كلفة الاجتياح البري في الجنوب أعلى من قدرة مجتمعه على التحمل.
دخل الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بخمسة محاور قتالية أساسية، معولاً على التفوق الجوي والتكنولوجي لإنهاء المهمة خلال أسابيع. لكن الجغرافيا والقتال البري فرضا واقعاً مختلفاً:
فالوديان المتشابكة وخط القرى الحدودية حولت كل تقدم إلى استنزاف. الفرقة 36 ولواء غولاني اصطدما بمقاومة شرسة بين راميا وعيترون، حيث تحولت المعركة من اجتياح إلى قضم بطيء للقرى.
و رغم سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات الصف الأول، تشير التقديرات الإسرائيلية نفسها إلى أن حزب الله “يفرض تحديات أكثر خطورة” ويستعد لحرب استنزاف طويلة، وهو السيناريو الذي تخشاه تل أبيب أكثر من أي مواجهة شاملة قصيرة.
العجز عن التقدم البري دفع الجيش إلى تبني “التدمير الممنهج” بالمتفجرات والجرافات حتى بعد وقف إطلاق النار، وطال التدمير منازل ومساجد ومقابر دون “ضرورة عسكرية قهرية” واضحة. هذا ليس قوة، بل اعتراف ضمني بأن ثمن الاشتباك المباشر بات باهظاً.
وتتعمد الحكومة الإسرائيلية إدارة إعلام المعركة بتحفظ شديد. لكن الأرقام التي تتسرب تكشف حجم النزيف: تشرين الأول 2024 وحده كان الأكثر دموية منذ 7 أكتوبر 2023، بمقتل 88 جندياً ومدنياً، منهم 37 جندياً سقطوا في معارك جنوب لبنان والحدود الشمالية. المعارضة تتهم نتنياهو بتجاهل فرص الحل السياسي رغم هذا الثمن البشري، لأن الاعتراف بحجم الخسارة يعني الاعتراف بفشل نظرية “الضغط العسكري”.
هنا يظهر “الخوف من حزب الله” كعامل سياسي مباشر: نتنياهو يربط أي اتفاق بـ”نزع سلاح حزب الله وتحقيق سلام من منطلق القوة”. لماذا؟ لأن القبول بوقف إطلاق نار دون تفكيك قدرات الحزب يُقرأ في الخطاب الإسرائيلي الداخلي كـ”مخاطرة سياسية جسيمة” أو ما يسمونه تجنب الظهور بمظهر “المغفل”. فالخسائر المسكوت عنها لا تُسقط الجنود فقط، بل تُسقط السرديات. وكل جندي لا يعود، هو صوت انتخابي يُخصم من رصيد الائتلاف.
لا عودة للمستوطنين. هذه ليست شعاراً، بل واقع يفرضه “شبح حزب الله” على يوميات السياسة الإسرائيلية. المستوطنون الذين نزحوا من كريات شمونة و”كفار يوفال” يرفضون العودة حتى لو قال الجيش إن الوضع آمن. “بيتي يبعد 100 متر عن الحدود.. بعد أن رأينا الكارثة من حولنا أدركنا مدى خطورة العيش هناك. لن أعود”.
هذا الرفض له ترجمة سياسية واحدة: فشل نتنياهو في تحقيق الهدف المركزي الذي أعلنه للحرب: “إعادة سكان الشمال إلى منازلهم بأمان”. طالما بقي الشمال فارغاً، يبقى كرسي نتنياهو مهتزاً. فالحكومة التي لا تستطيع حماية مستوطنيها، ولا تستطيع إعادتهم، هي حكومة تفقد شرعيتها الأمنية، وهي رأس مال نتنياهو الوحيد.
تكشّف حقيقة الميدان في جنوب لبنان خلق معادلة سياسية جديدة في إسرائيل: حزب الله لم يعد يقاتل على الحدود فقط، بل بات يصوّت على مستقبل نتنياهو من خلفها. كل يوم يمر دون عودة المستوطنين هو استفتاء شعبي على فشل الحرب. وكل خسائر يجري التعتيم عليها هي دين سياسي سيدفعه نتنياهو مع أول انتخابات قادمة.
ونتنياهو اليوم أسير خيارين: إما الاستمرار بحرب استنزاف تذيب جيشه وائتلافه معاً، أو الذهاب لتسوية يعتبرها جمهوره “استسلاماً للخوف”. في الحالتين، “شبح حزب الله” هو من يكتب البيان الختامي لحكومته.
