سودان تمورو
كمراقب مصري شغوف بتفكيك المشهد الإيراني ومتابعة تحولاته العميقة، لطالما استوقفتني تلك المساحة الرمادية بين الواقع كما هو، والواقع كما تفرزه الشاشات. وفي حوار عميق جمعني مؤخراً بصديق إيراني عزيز ومتابع حصيف لمآلات مجتمعه، طرح عليّ تساؤلاً مرائياً يلامس جوهر الأزمة التي خلفتها الآلة الإعلامية الموجهة، وتحديداً قنوات مثل “إيران إنترناشيونال” و”من وتو” على المدى الطويل. سألني بنبرة يغلب عليها الإحباط: “هل من أمل؟ أغلب من أراهم حولي كانوا بطبيعتهم بعيدين عن المنطق والواقعية، والآن أصبحوا مجرد نسخ أكثر راديكالية وتطرفاً. حتى لو أدركوا نتائج خياراتهم الكارثية، فإن أقصى ما يمكنهم فعله هو الاعتراف بأنهم اتخذوا (قراراً خاطئاً)، لكنهم أبداً لن يعترفوا بعقم مسارهم الفكري وطريقة تفكيرهم”.
في سياق الرد على هذا التشخيص الدقيق، ومحاولةً لقراءة هذا الاستلاب العقلي من خارج الحدود، يمكن القول بوضوح: نعم، الأمل موجود، ولكنه ليس أملاً يلوح في أفق الليلة أو الغد، ولن يمر عبر الدروب التقليدية التي ننتظرها. إن المعضلة التي تضرب شريحة واسعة من المتلقين اليوم لا تكمن في انحراف قرار أو زلة اختيار، بل نحن أمام ظاهرة أشد فتكاً تتلخص في “تجذير نسق فكري” متكامل. في هذا النسق، يمتلك الفرد مرونة خادعة تسمح له بالاعتراف بخطأ في محطة معينة، لكنه يظل متمسكاً بقدسية الآلية التي أنتجت هذا الخطأ. وفي هذه الحالة، يصبح الاعتراف بالذنب بلا قيمة تقويمية، لأن الماكينة الفكرية ذاتها ستعيد إنتاج الكارثة في المحطات القادمة.
وضمن هذه البيئة المأزومة، يبدو انتظار التغيير السريع والدراماتيكي ضرباً من السذاجة السياسية والسيكولوجية. إن الانزلاق نحو الراديكالية الذي نلاحظه ليس استثناءً عابراً، بل هو نمط سلوكي كلاسيكي ومدروس؛ فعندما يُحشر الفرد داخل “غرفة صدى” إعلامية متجانسة، تتضخم فيها الأصوات المتطابقة وتُغتال فيها أي نبرة مغايرة، يصبح التراجع عن الخطأ التأسيسي مكلفاً جداً على الصعيد النفسي. وللتهرب من دفع هذه الفاتورة الباهظة، يميل العقل البشري المأزوم إلى الهروب للأمام، وتشديد مواقفه المتطرفة بدلاً من مراجعتها بشجاعة.
إن ما مارسته تلك المنصات الإعلامية خلال العقد الماضي لم يكن عملاً صحفياً ينقل الخبر، بل كان “هندسة للعقول” وبناءً ممنهجاً لأطر إدراكية بديلة. لقد نجحت هذه الماكينات في فرض “أجندة ذهنية” صارمة، ورفعت بعض الأوهام إلى مرتبة “البديهيات” التي لا تُمس، وثبّتت معايير مشوهة في عقل المتلقي يُحاكم من خلالها كل ما يجري حوله. وبالتالي، فإن مواجهة هذه الحالة لا يمكن أن تتم عبر التكتيكات الدفاعية أو النقد الموضعي وتفنيد الأكاذيب اليومية، بل يجب أن تنتقل المعركة إلى حيث تكمن المشكلة الحقيقية: مستوى الأطر المرجعية.
لا يمكن إحداث أي اختراق استراتيجي في هذا الجدار الوهمي إلا عبر مسار طويل من “صناعة الخطاب البديل”، وهو خطاب لا يبنى بالنيات الحسنة، بل بمحددات منهجية قاطعة. تبدأ هذه المحددات بصياغة لغة جديدة؛ ليس بمجرد استبدال المفردات، بل بضخ حمولات قيمية ومعنوية مختلفة في شرايين المصطلحات. يجب إعادة تعريف مفاهيم كبرى مثل العقلانية، المصالح الوطنية، الحرية، والواقعية، ووضعها داخل جهاز مفاهيمي وطني متماسك ومحصن ضد الاختراق.
يتطلب هذا المسار أيضاً بناء هرمية قيمية واضحة وحاسمة. فبدون هذه الهرمية، سيظل أي نقاش معلقاً في الهواء الطلق، يتقاذفه العبث. يجب أن يدرك المتلقي بوضوح موازين الأولويات: أين يقف الأمن في مواجهة الانفعال؟ وكيف تتقدم حتمية البقاء على بهلوانيات الاستعراض؟ ولماذا يجب أن ينتصر الواقع الميداني على السردية المتخيلة؟ يترافق ذلك مع ضرورة إعادة تأطير الواقع، بحيث لا نكتفي بسرد الحدث، بل نشرح تفكيكاته داخل بنيته الهيكلية وحجم القيود والضغوط التي تحيط به، بهدف نسف “البديهيات المصطنعة” وإحلال وعي حقيقي مكانها.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن المشهد الراهن والمشوه في عقل بعض الجماهير هو ثمرة “تراكم طويل” لرسائل خبيثة ومنسقة. وتفكيك هذا التراكم يتطلب استدعاء نفس السلاح: التراكم المضاد، الانسجام، والصبر الاستراتيجي. لكن الحقيقة الأهم، والتي تمثل جوهر الخروج من هذا النفق المظلم، هي أن التغيير الفعلي لن يبدأ إلا عندما تتغير “معايير الحكم” لدى الفرد. فما دام المتلقي يقيس الأحداث بنفس “المسطرة” القديمة المعوجة، فسيستمر في إنتاج نفس القراءات الخاطئة مهما أمطرته بالحقائق الجديدة. إن التغيير الحقيقي والمأمول لا يكمن في تغيير القراءات المتفرقة، بل في كسر تلك المسطرة، وصناعة معيار جديد يزن الأمور بميزان العقل والوطن.
