سودان تمورو
كمراقب عربي يقرأ تحولات الإقليم بعين فاحصة للتاريخ والجغرافيا، لطالما استوقفتني تلك العلاقة المعقدة والمأزومة بين العقل الاستراتيجي الإيراني ومسألة “التفوق التكنولوجي” لخصومه. فإذا عدنا بذاكرة التاريخ إلى الوراء، وتحديداً إلى معركة “جالديران” المفصلية، سنجد أن العامل الحاسم الذي أدى إلى انكسار إيران لم يكن نقصاً في الشجاعة أو تراجعاً في العقيدة القتالية، بل كان انعدام التوازن في التكنولوجيا العسكرية. في تلك المعركة، امتلك العثمانيون سلاح المدفعية الفتاك، بينما حُرم الجيش الإيراني من هذه الميزة الاستراتيجية. ورغم ما تمتع به المقاتلون الإيرانيون آنذاك من دافع وإيمان واستعداد للتضحية، إلا أنهم وجدوا أنفسهم عاجزين عملياً عن الصمود أمام هذه الفجوة التقنية الساحقة، ليتعلم التاريخ درساً قاسياً مفاده أن الشجاعة والإرادة، حينما تصطدمان بتفوق تسليحي كاسح للطرف الآخر، لا تكفيان أبداً لتغيير النتيجة أو حسم المعركة.
هذا النمط من الانكسار أمام الآلة العسكرية الأحدث لم يكن حدثاً عابراً في جالديران، بل تكرر بصورة شبه متطابقة في الحروب الإيرانية الروسية. لقد وقفت الجيوش الإيرانية وقوات القاجار في وجه العدو، قاتلوا بضراوة ودفعوا أثماناً باهظة من الدماء، لكن الفارق المروع في التكنولوجيا العسكرية، والاختلاف الجذري في تنظيم وهيكلة الجيوش، رجّح كفة الروس بلا رحمة. لم تكن مدافع “الزنبورك” القاجارية المحمولة على ظهور الجمال، ولا البنادق العتيقة، قادرة على مقارعة التكنولوجيا المتقدمة والجيش الروسي الحديث. وفي الحرب العالمية الثانية، استنسخ التاريخ نفسه؛ فإيران وقفت أمام قوات الحلفاء بجيش بناه رضا شاه بالأساس للسيطرة الداخلية وقمع التمردات، فكان فاقداً للقدرة والجاهزية الحقيقية التي تؤهله لتقديم أي مقاومة تذكر أمام جيوش الحلفاء الحديثة والمجهزة بأعتى الأسلحة.
لكن، وبقراءة تحليلية لما اصطلح على تسميته مؤخراً بـ “حرب الاثني عشر يوماً” و”حرب رمضان”، تبرز مفارقة ذات أهمية بالغة تتطلب التوقف عندها. إن إيران اليوم، وعلى النقيض تماماً من حقب الصفويين والقاجار والبهلويين، أثبتت أنها قادرة على عدم الاستسلام المطلق لصدع اللاتكافؤ التكنولوجي. لم تسعَ طهران لسد هذه الفجوة عبر محاكاة وتقليد النمط العسكري للقوى العظمى بل لجأت إلى تعويض هذا الخلل بالاعتماد المفرط على الاستراتيجية العسكرية، والابتكار العملياتي، وعقيدة “الدفاع غير المتكافئ” (الحرب غير المتماثلة). لقد استثمرت بذكاء في تقنيات منخفضة التكلفة نسبياً لكنها شديدة الفاعلية والتأثير، متكئة في ذلك على ترسانة من الصواريخ الباليستية، وصواريخ الكروز، وأسراب الطائرات المسيرة الانتحارية.
وبغض النظر عن المآلات التي قد تنتهي إليها هذه المواجهات في الأيام والأسابيع المقبلة، فإن الأسابيع الأولى منها قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلل في التوازن التكنولوجي لا يعني بالضرورة العجز المطلق أو الهزيمة الحتمية. التجربة الحالية تبرهن على أن امتلاك استراتيجية واضحة، وروح المبادرة، والاستخدام الذكي للأدوات المتاحة، يمكن أن يضمن الصمود ويرفع من التكلفة التي يتكبدها الخصم المتقدم تقنياً. وإذا كانت الفجوة التكنولوجية في الماضي تؤدي سريعاً إلى انهيار الدفاعات الإيرانية، فقد بات من الممكن اليوم، ومن خلال استراتيجيات الحروب غير المتماثلة، ترويض هذا اللاتكافؤ واحتواء تداعياته إلى حد كبير.
غير أن هذه الصورة الاستراتيجية لا تكتمل دون تسليط الضوء على “الثقب الأسود” الذي يهدد بابتلاع كل هذه الإنجازات التكتيكية. فإلى جانب معضلة التوازن التكنولوجي، تبرز نقطة ضعف هيكلية وقاتلة تتمثل في القصور الحاد في قطاع الاستخبارات، بشقيه العسكري والمدني، وضعف أجهزة مكافحة التجسس. إنه فراغ مرعب يتجلى بوضوح في المستوى التحليلي، وفي مستوى الإدراك المعرفي للعدو، ويمتد ليضرب جذور المنظومات الأمنية والوقائية. هذا الخلل الفادح هو ما يحول دون تحقيق الكفاءة الكاملة للقدرات العملياتية والأدوات غير المتكافئة التي تمتلكها إيران. إن الضربات القاسية والاختراقات المؤلمة التي تعرضت -ولاتزال تتعرض- لها طهران، سواء في معاركها الأخيرة أو عبر الاستهدافات الداخلية، لا ترجع مسبباتها حصراً إلى التفوق التكنولوجي للعدو، بل تعود في جزء كبير منها إلى إخفاقات بنيوية في جمع وتحليل وحماية المعلومات، وهشاشة الهياكل وقابليتها للاختراق، والضعف في استشراف التهديدات وتحييدها قبل وقوعها. وهي معضلات عميقة إذا لم تخضع لجراحة جذرية، فإنها كفيلة بتقويض أي ميزة استراتيجية قد يحققها الصاروخ أو المسيرة في ساحة المعركة.
