سودان تمورو
تتكشف يوماً بعد يوم ملامح المخطط الإستراتيجي الخطير الذي يُحاك في أروقة واشنطن وتل أبيب لجرّ التحالف الأوروبي-العربي إلى رمال مضيق هرمز المتحركة ومستنقعه العميق. تعتمد هندسة هذا الفخ الخبيث على معادلة مكشوفة ومتهورة: توجيه ضربات غادرة للبنية التحتية للغاز والنفط في إيران، لتقوم طهران بدورها الطبيعي والمشروع بالرد الحتمي على مصادر ومبنى العدوان. هذا السيناريو ليس وليد الصدفة، بل هو أداة متعمدة يستخدمها الرئيس الأمريكي، الذي لن يتوانى عن الإمساك بتلابيب حلفائه “غير المتعاونين” وجرهم عنوة إلى أتون المعركة، بأي ثمن وبكل الوسائل المتاحة، ليدفعوا فاتورة حروبه بالوكالة.
في هذا المسرح الدموي، يتقاسم الحليفان أدوارهما ببراعة شيطانية تعكس جوهر سياستهما. فإسرائيل، مستعدة لنسف أي تقارب أو حتى مجرد أنباء عن مفاوضات أوروبية-إيرانية عبر سلاح الاغتيالات، مستهدفة كبار المسؤولين الإيرانيين، ولن تتورع، إن لزم الأمر واقتضت مصالحها، عن تصفية شخصيات أوروبية رفيعة لخلط الأوراق وتدمير جسور الدبلوماسية. وفي الوقت الذي يتكفل فيه ترامب بضخ سيل من التصريحات والمناورات الكلامية لخلق حالة من التشتيت وإرساء وهم “الدبلوماسية الخادعة”، يتراجع نتنياهو إلى الظل، يلوذ بصمت مطبق، قبل أن ينقض فجأة لاغتيال كل من يقف عقبة في مسار مخططهما. الهدف الأوحد هنا ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل استعراض القوة الغاشمة في التصفية الجسدية وفرض سطوة الرعب النفسي، وهو نمط إجرامي تجلى بوضوح مراراً، لعل أبرزها ما حدث إبان المفاوضات مع حركة حماس وما رافقها من اغتيالات طالت حتى شقيق السنوار.
أمام هذه العقلية الاستئصالية، تبرز حقيقة إستراتيجية واحدة لا تقبل التأويل: إن إغلاق كافة قنوات التواصل الوهمية، وتوجيه ضربات موجعة ومتتالية لا تعرف الهوادة، هو السبيل الأوحد لإجبار هذا الثنائي المتغطرس على الركوع. لقد بات المخطط الترامبي معلناً وسافراً؛ سحب أقدام التحالف العالمي إلى مستنقع هرمز، عبر استهداف شرايين الطاقة الإيرانية، لتدفع طهران نحو رد متكافئ يطال مصالح هؤلاء الحلفاء المترددين، فتتبدد خياراتهم ولا يجدون مفراً من الانخراط الرسمي والمباشر في حرب مدمرة لا تخدم سوى واشنطن وتل أبيب.
وهنا يبرز التساؤل الملح حول مدى استعداد الأنظمة العربية للانقياد نحو حتفها والانتحار السياسي والاقتصادي لتنفيذ هذه الأجندة، خاصة وأن التبعية العمياء وتلقي الإملاءات تكاد تكون خيارها الوحيد المتبقي. أما أوروبا، فموقفها يتطلب الترقب، لكن المشهد العبثي سيتكرر بسيناريو شديد الوقاحة والازدواجية: سيسارع الجميع، عرباً وأوروبيين، إلى مطالبة طهران بضبط النفس وعدم الانجرار إلى “فخ التصعيد”، متجاهلين تماماً ومبررين أصل العدوان الذي استهدف سيادتها. ومع ذلك، وعلى المقلب الآخر من هذه المعادلة، يقف الخبراء الإيرانيون على أهبة الاستعداد التام لمواجهة حماقات هذا العدو الجبان. فاليقين الراسخ والعملي هنا هو أن إرادة العقول الوطنية قادرة على إحياء وإعادة تأهيل أي منشآت متضررة بسرعة قياسية ستذهل العالم، وتنسف رهانات المعتدين، وتثبت أن سياسة حافة الهاوية لن تحرق سوى أصابع من أشعلها.
