سودان تمورو
كيف لدولة صغيرة المساحة، لا تتجاوز ٧٥ ألف كيلومتر مربع، ويقل سكانها الأصليون عن مليون نسمة، أن تتحول إلى قوة مؤثرة تتدخل في شؤون دول تبعد عنها آلاف الكيلومترات، من اليمن إلى ليبيا، ومن سوريا إلى السودان وفلسطين؟ السؤال يفتح الباب أمام حقيقة قد تكون مُغيّبة عن الكثيرين.
ليس سراً أن الإمارات تفتقر إلى تاريخ سياسي عميق أو حركات تحرر وطنية أو مؤسسات فكرية راسخة. فهل كان الشيخ زايد يمتلك عصا سحرية حقق بها هذه “النقلة الحضارية” المذهلة بين عشية وضحاها؟ الواقع أكثر تعقيداً. تشير قراءة متأنية إلى أن يهوداً أثرياء في الغرب فكروا في إنشاء “مستوطنة” لهم في الشرق الأوسط، تدعم مصالحهم دون الدخول في تعقيدات المواجهة مع مصالح دولهم “الأم” السياسية والتجارية. وكانت الإمارات هي الإجابة.
منذ تأسيسها عام ١٩٧١، صُممت التركيبة السياسية لدولة الإمارات بعناية. تقسيم الدولة إلى سبع إمارات، لكل منها حاكم وجيش وأجهزة أمن، بينما تحتل أبوظبي أكثر من ثلاثة أرباع المساحة، لم يكن عبثاً. هذا التصميم يضمن صعوبة قيام دولة مركزية قوية، ويبقي السلطة موزعة وقابلة للتوجيه من الخارج.
الأرقام تكشف مفارقة صارخة: عدد السكان المواطنين لا يكاد يذكر مقارنة بتسعة ملايين مقيم أجنبي من مئتي جنسية. حتى لو تحول كل مواطن إلى جندي أو عنصر أمن، فلن يتمكنوا من حماية هذا الكيان الهش. فمن يحميه إذن؟ الجواب يكمن في كونه “خزنة أموال” ضخمة. تمتلك الإمارات، وتحديداً أبوظبي، أحد أعلى نسب المليونيرات في العالم، ويشكل اليهود الأثرياء نسبة كبيرة منهم. الهدف كان دائماً توفير بيئة آمنة لهذه الثروات، وهو ما يفسر لماذا قاد المليونير اليهودي “حايم سابان” يد محمد بن زايد نحو التطبيع مع “إسرائيل”.
الإمارات ليست مجرد ناطحات سحاب وشوارع فاخرة. إنها مشروع متكامل. فكيف نفسر أن تصبح الدولة الخامسة عالمياً في الإنفاق العسكري، بينما لا تمتلك حدوداً طويلة تهدد، ولا جيشاً تقليدياً كبيراً؟ التسليح الهائل، سواء أُعلن عن صفقاته أم لا، يتجه نحو التآمر على دول المنطقة. فلا يكاد يوجد بلد عربي أو إسلامي لم تتدخل الإمارات في شؤونه اقتصادياً وسياسياً، وغالباً ما يكون التدخل مصحوباً بخلق الفوضى الأمنية.
هل تمتلك عائلة آل زايد كل هذا الذكاء الاستراتيجي لإدارة هذا العدد الهائل من الملفات المعقدة في أربع قارات؟ ولماذا لا يحكم الإمارات رجال أعمالها ومستثمروها بدلاً من الشيوخ؟ الإجابة قد تكون في مقولة هنري فورد عام ١٩٢١: “اليهود يفضلون قيادة العالم من الخلف وبسرية”.
لماذا لم تكن “إسرائيل” هي الخزانة المالية البديلة، خاصة أنها أفضل موقعاً وموارد؟ لأن “إسرائيل” قلعة عسكرية في حالة تهديد دائم، والتعامل التجاري معها في المنطقة محفوف بالمخاطر. بينما الإمارات تقدم واجهة “آمنة” ومقبولة ظاهرياً.
الخلاصة المؤلمة: قد لا تكون الإمارات سوى “مستوطنة إسرائيلية” كبرى، أُنشئت عام ١٩٧١، تعمل كذراع مالي واستخباراتي وسياسي طويل، يُدار من وراء الستار لتحقيق أجندات لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، بل تضمن هيمنة قوى خارجية وتفتيت المجتمعات العربية. التدخل في اليمن وليبيا وسوريا والسودان وفلسطين ليس سوى فصول من هذا المشروع الطويل.
