سودان تمورو
تستدعي المقاربة الكلاسيكية لمفهوم “القواعد العسكرية” صورة نمطية موروثة من حقبة الحرب الباردة، حيث تقوم القوة العظمى ببناء قواعدها وتجهيزها وامتلاكها بالكامل على أراضي الدول الحليفة في أوروبا أو شرق آسيا. بيد أن قراءة المشهد الإستراتيجي للقواعد الأميركية المتناثرة في منطقة الخليج تفرض تفكيك هذا التصور الساذج؛ فنحن لسنا أمام قواعد تقليدية، بل إزاء هندسة أمنية معقدة وشبكة انتشار جيوسياسية تلعب فيها العواصم العربية دوراً يتجاوز بكثير مفهوم “الاستضافة” الدبلوماسية، لتتحول في الواقع العملي إلى مُموِّل رئيسي وشريك صامت في تحمل التكلفة الباهظة للبنية التحتية لآلة الهيمنة العسكرية الأميركية. إن لفهم هذه الديناميكية، التي تصفها حتى تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي بـ”شبكة الاستقرار والانتشار”، يتطلب إدراك حقيقة أن الفارق الجوهري بين قواعد الأمس واليوم لا يكمن في الجغرافيا، بل في لغة المال والأرقام.
في قلب هذه الشبكة، تترسخ قاعدة غير مكتوبة ولكنها تمثل العصب الحيوي للوجود الأميركي في المنطقة: “البناء على نفقة المُضيف، والاستخدام الحصري للأميركيين”. ففي كثير من الحالات، ما يُسوَّق إعلامياً وسياسياً على أنه “قاعدة أميركية”، هو في جوهره بنية تحتية شُيدت بأموال سيادية للدول المضيفة، لتُوضع لاحقاً تحت تصرف القيادة المركزية الأميركية. وتُعد الحالة القطرية النموذج الأكثر جلاءً لهذا النمط؛ إذ ضخت الدوحة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أكثر من ثمانية مليارات دولار لتوسيع وتحديث قاعدة “العديد”، وهو رقم تقرّ به وزارة الخارجية الأميركية صراحةً. لم تُنفق هذه المليارات على مجرد استضافة، بل شملت بناء مدارج طيران متطورة، ومرافق إقامة، ومراكز قيادة، وبنية لوجستية ضخمة، لتتحول “العديد” اليوم من مجرد قاعدة إلى إحدى أهم العقد العصبية لقيادة العمليات الجوية الأميركية في المنطقة، وكل ذلك بتمويل مباشر من خزانة دولة عربية، في استثمار غير مسبوق في البنية التحتية للقوة الأميركية.
وإذا ما اتجهنا شطراً نحو الكويت، فإن الرواية تتخذ شكلاً آخر من أشكال التمويل الإستراتيجي. منشآت ضخمة مثل “معسكر عريفجان” لا تقتصر وظيفتها على إيواء الجنود، بل تُشكل ترساً حيوياً في آلة أكبر: مستودعات التخزين المسبق للعتاد العسكري. وتُقدر قيمة الترسانة العسكرية المخزنة هناك بنحو 5.5 مليار دولار، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في العتاد ذاته، بل في البيئة المكلفة التي توفرها الكويت لصيانته وإبقائه في حالة تأهب قصوى على مدار الساعة. إن هذا يعني أن الكويت لم تمنح واشنطن مجرد مساحة جغرافية، بل تكفلت بتوفير الشروط اللوجستية والمالية لضمان الجاهزية الدائمة للقوات الأميركية. في حين تقدم البحرين نموذجاً هجيناً؛ فهي تضع بنيتها التحتية البحرية الحيوية وموانئها تحت تصرف الأسطول الخامس الأميركي، بينما تساهم واشنطن بجزء من تكاليف التطوير، كما هو مسجل في ميزانية عام 2026 حيث خُصص مشروع بقيمة تقارب 42 مليون دولار لتطوير المرافق هناك. ورغم ذلك، تظل القاعدة الذهبية حاكمة: المضيف يضع حجر الأساس ويوفر البنية، وأميركا تحولها إلى طاقة عملياتية فتاكة.
أما في الإمارات وسلطنة عمان، فتصل البراغماتية الأميركية إلى ذروتها من حيث الكفاءة الاقتصادية. فبدلاً من تكبد عناء وتكلفة بناء قواعد جديدة، تعتمد واشنطن على الولوج المفتوح للبنى التحتية القائمة والمجهزة سلفاً. إن القدرة على استخدام ميناء “الدقم” العماني ذي الموقع الإستراتيجي، أو قاعدة “الظفرة” الجوية في الإمارات، تمنح الولايات المتحدة تفوقاً عملياتياً وبصمة عسكرية عميقة بتكلفة بناء تكاد تقترب من الصفر، محتفظة بامتياز “الوصول غير المقيد” دون تحمل أعباء الاستثمار الأولي.
وتأخذ المعادلة أبعاداً أكثر تعقيداً وشمولية في الحالة السعودية. فالرياض، بدلاً من تمويل بناء قاعدة عسكرية محددة، تدفع فعلياً فاتورة ضخمة لتجهيز وصيانة وتطوير قدرات عسكرية متكاملة يمكن لواشنطن الاتكاء عليها عند الحاجة. ولعل ما حدث بعد عام 2019 مع تصاعد التوترات الإقليمية يُعد دليلاً ساطعاً؛ حينها تعزز الوجود الأميركي في قاعدة “الأمير سلطان الجوية” بنشر آلاف الجنود وأنظمة “باتريوت” ومنظومات “ثاد” المتقدمة. لقد دخلت القوات الأميركية إلى بنية تحتية جاهزة بالكامل، شُيدت أساساً باستثمارات سعودية، ولم تضطر واشنطن للبدء من الصفر. يُضاف إلى ذلك التدفق الهائل لعقود التسليح التي تبرمها الرياض مع واشنطن بعشرات المليارات من الدولارات. هذه الصفقات لا تندرج تحت بند “شراء السلاح” فحسب، بل هي في جوهرها تمويل غير مباشر لسلسلة إنتاج ونشر القوة الأميركية.
فعندما تشتري السعودية هذه المنظومات الدفاعية، فهي تتحمل أيضاً تكاليف صيانتها، وتدريب طواقمها، ودعمها وتحديثها، مما يتيح لواشنطن دمج هذه الأصول بسلاسة ضمن شبكتها الدفاعية الإقليمية الأوسع دون أن تدفع الفاتورة كاملة. من هنا، يتضح الفارق بين النموذج القطري القائم على “بناء موقع استضافة”، والنموذج السعودي الذي يوفر “عمقاً إستراتيجياً ومالياً وعسكرياً” يحيل المملكة إلى منصة متكاملة وجاهزة للانتشار الأميركي السريع بدلاً من مجرد مقر إقامة دائم.
هذا المعمار العسكري والمالي المعقد لم يكن ليصمد لولا إطاره القانوني المرن والمحكم في آنٍ واحد. لقد هندست وزارة الخارجية الأميركية شبكة من الاتفاقيات التي تُضفي شرعية على هذا الوجود؛ فاتفاقيات التعاون الدفاعي (DCA) تمنح حق الانتشار، واتفاقيات وضع القوات (SOFA) توفر الحصانة القانونية الشاملة، بينما تضمن الترتيبات اللوجستية حرية استخدام الموارد والخدمات. ولعل أدهى ما في هذه الهندسة القانونية هو صياغتها كـ”اتفاقيات تنفيذية” وليست معاهدات دولية رسمية تحتاج لمصادقة المجالس التشريعية، مما يمنحها مرونة فائقة ويبقي تفاصيلها الحساسة بعيدة عن عدسات الرقابة وصخب الرأي العام.
عند تجميع قطع هذا الفسيفساء، تتجلى الصورة الكبرى: لا تملك أميركا مجرد شبكة قواعد في الخليج، بل تدير نظاماً أمنياً هجيناً يعتمد على “تمويل غير متكافئ”. إنها آلة هيمنة عسكرية تقف بثقلها على أكتاف الخزائن المالية للدول العربية المضيفة، التي حولت استثماراتها المليارية إلى شرايين تغذي شراسة الوجود الأميركي.
لكن هذا الاندماج العسكري يحمل في طياته ألغاماً قانونية وسياسية، خاصة في أوقات الحروب. فالدول العربية المضيفة، بموجب هذه الاتفاقيات، تهيئ أرضها وأجواءها وموانئها للاستخدام العسكري الأميركي. ورغم سعي هذه العواصم لتأطير هذا الدور ضمن حدود “الوفاء بالالتزامات التعاقدية” لتجنب الانخراط المباشر في أي صراع، فإن أدبيات القانون الدولي قد تُكيّف هذا السلوك على أنه “مساعدة أو تواطؤ في فعل غير مشروع دولياً” إذا ما استُخدمت تلك التسهيلات لشن عمليات هجومية. وهو تبرير قانوني واهٍ ترفضه القوى الإقليمية المناهضة لواشنطن، وعلى رأسها طهران، التي لا ترى في هذه “الالتزامات التعاقدية” سوى انخراط فعلي وشراكة في أي استهداف يطالها، مستندة في ذلك إلى مسوغات واضحة ترفض الفصل بين من يضغط على الزناد، وبين من يدفع ثمنه ويوفر له ساحة الإطلاق.
