الثلاثاء, مايو 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيإسرائيل الكبرى الجديدة.. حرب الممرات وشبكات النفوذ التي ترسمها تل أبيب!.. يوسف...

إسرائيل الكبرى الجديدة.. حرب الممرات وشبكات النفوذ التي ترسمها تل أبيب!.. يوسف سليمان

سودان تمورو

في تصريح استراتيجي يحمل أكثر مما يبدو على السطح، يطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة تبدو للوهلة الأولى تقنية بحتة: “نقل خطوط الطاقة والنفط من الخليج إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط”. لكن وراء هذه العبارة تكمن رؤية أعمق تحاول إسرائيل من خلالها تحويل التحديات الجغرافية والأمنية إلى فرص استراتيجية، مستغلةً أزمة مضيق هرمز الراهنة لتحقيق ما فشلت فيه لعقود عبر المواجهة المباشرة. لطالما حلمت المشاريع التوسعية الإسرائيلية بـ”إسرائيل الكبرى” بمعناها الجغرافي-التوراتي، لكنها اصطدمت دائماً بحقيقة صلابة الجغرافيا وصمود الوعي المقاوم لدى الشعوب العربية والإسلامية. الأرض ترفض الانصياع، والحدود تبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية. فجاء التحول نحو نموذج جديد: “إسرائيل الكبرى” التي لم تعد بالضرورة كياناً جغرافياً متصلاً، بل تحولت إلى شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية، عاصمتها الفعلية ليست القدس بل تل أبيب كمركز للتقنيات والاستخبارات والتمويل. في هذه الرؤية الجديدة، السيطرة لم تعد تعني احتلال الأرض، بل التحكم في تدفقات الطاقة والبيانات ورؤوس الأموال.

يأتي اقتراح نتنياهو في توقيت بالغ الدقة والحساسية، حيث تشهد منطقة الخليج توترات متصاعدة تهدد أمن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم لنقل الطاقة. هنا تبرز معادلة القوة الناعمة التي تتبناها إسرائيل: بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، تعمل على تحويل التهديدات إلى فرص، والأزمات إلى مشاريع استراتيجية طويلة المدى. الفكرة الأساسية تقوم على إعادة رسم خريطة تدفق الطاقة العالمية، حيث تصبح إسرائيل محوراً إقليمياً لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا والعالم، متجاوزة بذلك الممرات التقليدية التي ظلت لعقود تحت السيطرة العربية والإسلامية. هذا التحول لن يؤثر فقط على الجانب الاقتصادي، بل سيعيد هندسة التحالفات السياسية في المنطقة بأكملها، حيث تصبح المصالح الاقتصادية هي اللغة السائدة بدلاً من الانتماءات الأيديولوجية والتاريخية. تصبح إسرائيل هنا شريكاً لا غنى عنه في أمن الطاقة العالمي، وتتحول من كيان محاصر إلى لاعب محوري في شبكة الطاقة الدولية.

لكن هذا المشروع الاستراتيجي يطرح تحديات وجودية أمام دول المنطقة وحكوماتها وشعوبها. المعضلة الأساسية تكمن في الاختيار بين خيارين: إما أن تدرك هذه الدول عمق هذا التحول الاستراتيجي وتعمل على بناء شراكات إقليمية تحمي سيادتها الاقتصادية، أو تجد نفسها – بوعي أو بدون وعي – جزءاً من شبكة المصالح التي تتحكم فيها تل أبيب، وتتحول إلى مجرد عقدة في شبكة إسرائيل الكبرى الجديدة. الخطر الحقيقي لا يكمن في المشروع الإسرائيلي بحد ذاته، بل في غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة للدول العربية والإسلامية. فبينما تعمل إسرائيل وفق خطة طويلة المدى تعيد فيها ترتيب أوراق المنطقة وتحويل الجغرافيا من عائق إلى أداة، تبقى العديد من دول المنطقة غارقة في صراعات جانبية وتفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الاستباقية التي تمكنها من مواجهة هذا التحدي. المواجهة مع هذا المشروع تتطلب يقظة استراتيجية عالية، وتبدأ بتعزيز التكامل الاقتصادي العربي والإسلامي لخلق شبكات تبادل تقلل الاعتماد على أي حلول يطرحها العدو. كما تتطلب الإتفاق فيما بينها لحل معضلة طرق تصدير الطاقة -هرمز-  وتطوير البنى التحتية التي تعزز السيادة الاقتصادية للدول المنتجة. الأهم من ذلك كله هو تطوير رؤية استراتيجية موحدة تعيد المنطقة إلى مركز الفعل بدلاً من رد الفعل، وتتعامل مع التحديات كفرص لإعادة بناء النفوذ الاستراتيجي.

التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا السياسية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج توازنات القوة وصراعات الإرادات. مشروع نقل خطوط الطاقة عبر إسرائيل يمثل محاولة جريئة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة وفق رؤية تل أبيب. لكن النجاح أو الفشل في هذه المحاولة لن يتحدد فقط بالإرادة الإسرائيلية، بل أيضاً بقدرة دول المنطقة على قراءة هذه التحولات الاستراتيجية والاستجابة لها بذكاء. السؤال المصيري الذي يواجه المنطقة اليوم: هل ستكون شبكة المصالح الإسرائيلية هي التي تحدد مستقبل الطاقة والاقتصاد في الشرق الأوسط، أم ستتمكن دول المنطقة من صياغة رؤيتها الخاصة لشبكات التعاون والتبادل التي تحمي مصالحها وتضمن سيادتها؟ الإجابة لن تأتي من خطابات السياسيين أو البيانات الدبلوماسية، بل من قدرة الشعوب وحكوماتها على حماية مصالحها الاستراتيجية في عالم تتحول فيه الطاقة إلى سلاح. اليقظة اليوم ليست خياراً، بل هي ضرورة وجودية لمنع تحول المنطقة إلى رهينة معاشها في شبكة مصالح تتحكم فيها قوى خارجية. المستقبل يُصنع الآن، والخيار بين التبعية الاقتصادية والسيادة الاستراتيجية معلق على قدرة المنطقة على قراءة التحولات وصناعة البدائل. فهل تستيقظ الحكومات والشعوب قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات