سودان تمورو:
بدأت الموانئ السودانية على البحر الأحمر اختبار جاهزيتها لاحتمال استقبال جزء من حركة التجارة العالمية، في ظل تصاعد التوترات في الخليج العربي، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على الممرات البحرية الحيوية مثل مضيقَي هرمز وباب المندب. ويُعد ميناء بورتسودان المنفذ الرئيسي للصادرات والواردات، وينقسم إلى موانئ فرعية، في مقدمتها الميناء الجنوبي المتخصّص في الحاويات، والشمالي الذي يختص بنقل البضائع العامة والزيوت وصادرات المواشي والسلع المصبوبة مثل الأسمنت، والمحاصيل كالقمح، والميناء الأخضر لاستقبال البواخر المحمّلة بالبضائع. وهناك أيضاً ميناء الأمير عثمان دقنة، المعروف بـ”بوابة السودان”، المتخصّص في خدمات الركاب والبضائع المتجهة إلى السعودية، وميناء الخير الخاص بالمشتقات البترولية، وميناء أوسيف لتصدير خام الحديد والمعادن، وميناء هيدوب لصادرات الثروة الحيوانية والسمكية، إضافة إلى ميناء بشائر المستخدم في تصدير نفط جنوب السودان، ويؤكد خبراء الملاحة أن موقع السودان الاستراتيجي وساحله الممتد لنحو 730 إلى 800 كيلومتر يمنحه فرصة ليكون بوابة لوجستية.
وينقسم ميناء بورتسودان إلى أربعة أقسام؛ إذ يضم الميناء الشمالي 12 رصيفاً مخصصاً للبضائع العامة، أما الميناء الجنوبي فيضم ستة أرصفة لحركة الحاويات. ويقول المدير العام السابق لهيئة الموانئ البحرية، أونور محمد آدم سلطان، إن التجارة العالمية تعتمد على الموانئ المحورية القادرة على استقبال سفن الحاويات العملاقة التي تحمل أكثر من 12 ألف حاوية نمطية، وهو ما يتطلب تطويراً شاملاً للبنية التحتية وتحسين الكفاءة التشغيلية إذا أراد السودان أن يلعب دوراً محورياً في التجارة الدولية.
وفي ظل التطورات الإقليمية التي تنطوي على مخاطر جمّة، بحسب وتيرة التصعيد القائمة حالياً، يقول المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، جيلاني محمد جيلاني، إنّ شركات ماليزية وافقت على إنشاء رصيفين جديدين بميناء الأمير عثمان دقنة، في إطار خطة الهيئة لتوسعة الطاقة الاستيعابية للميناء، ويرى أن الميناء صُمم ليكون مركزاً محورياً لخدمة التجارة السودانية والأفريقية، إلى جانب منطقة متكاملة لصناعة السفن، وحوض عائم يُعد الأكبر على مستوى البحر الأحمر، مشيراً إلى أن الشركة الاستشارية قد شرعت بالفعل في إعداد الدراسات الفنية اللازمة.
وأكد أن هذه المشروعات، الراهنة والمستقبلية، ستسهم في خلق حراك اقتصادي وتجاري واسع، وتعزز دور الموانئ البحرية في دعم التنمية الشاملة إقليمياً ودولياً، ويرى مراقبون أن التحولات الجيوسياسية الراهنة قد تمنح السودان فرصة نادرة لإعادة تموضع موانئه على خريطة التجارة العالمية، لكن نجاح ذلك يبقى رهناً بسرعة الاستثمار في التحديث والتأهيل بما يواكب المعايير الدولية، ويحوّل الموقع الجغرافي المتميز إلى قوة اقتصادية فعلية.
وفي الأثناء، أعلنت الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر استمرار حالة الطوارئ ورفع درجة الاستعداد، مؤكدة أن العمل في الموانئ يجري بانتظام على مدار 24 ساعة بنظام الورديات دون تأثر، وأوضحت الهيئة أن إجمالي عدد السفن الراسية على الأرصفة بلغ 12 سفينة، فيما جرى تداول ستة آلاف طن من البضائع، و284 شاحنة، و35 سيارة، وأشارت إلى أن حركة الواردات تضمنت 1500 طن من البضائع، و132 شاحنة، و33 سيارة، بينما شملت حركة الصادرات 4500 طن من البضائع، و152 شاحنة.
وأكدت الهيئة أن غرفة العمليات المركزية تتابع حركة التشغيل لحظة بلحظة لضمان انسيابية التداول وتقديم أفضل الخدمات للركاب والمتعاملين، مع استمرار التنسيق بين الجهات المينائية لتيسير الإجراءات وتسريع إنجازها. وقالت إنّ ميناء بورتسودان أصبح خاضعاً منذ سنوات لتنافس كبير بين القوى الإقليمية والدولية، باعتبار أنه يقع في منتصف العالم على البحر الأحمر، وتعبر به نحو 20% من التجارة العالمية و30% من تجارة نفط العالم.
ويُعد ميناء بورتسودان، على ساحل البحر الأحمر، الذي جرى افتتاحه عام 1909، الميناء الرئيسي للسودان، وتبلغ سعته نحو 1.3 مليون حاوية سنوياً، بينما تبلغ احتياجات السودان نحو 500 ألف حاوية، ما جعله منفذاً بحرياً مهماً لبعض دول الجوار غير المطلة على البحر، مثل إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، ويُعد مرفقاً استراتيجياً لحركة صادرات وواردات السودان، إضافة إلى دوره في الربط بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.
واعتبر الصحافي والمحلل السياسي المتخصص في شؤون شرق السودان، عوض الباري، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن العالم يمكن أن يجد ضالته في موانئ البحر الأحمر، خاصة أن مواد الطاقة والنفط والغاز لا غنى عنها في ظل استمرار الحرب، وقال إنّ موانئ السودان قد شهدت تحسناً نسبياً في حركة المناولة، ما يمكن أن يخلق واقعاً بديلاً، في ظل استعداد تام لهيئة الموانئ السودانية للعب هذا الدور المهم بالنسبة للمنطقة، وأشار إلى أهمية تفعيل حركة الترانزيت بين موانئ جدة وميناء بورتسودان في ظل العلاقات الجيدة بين الدولتَين. وأضاف أنه بما أن المملكة العربية السعودية تمتلك بنية تحتية جيدة وطرقاً برية، يمكن تفعيل عملية الترانزيت من البر إلى الموانئ الآمنة على ساحل البحر الأحمر، أو النقل من السفن الصغيرة إلى الكبيرة عبر المسافنة، وهو ما يُعد بديلاً مناسباً، كما أن السلطات السودانية على استعداد لمثل هذه التطورات.
ويقول عوض الباري إنه يمكن تعميم التجربة على بقية دول الخليج، التي يمكن أن تتجنب إغلاق مضيق هرمز عبر الطرق البرية في نقل البضائع والمنتجات، في ظل ارتفاع المخاطر وزيادة كلفة الشحن (النولون) مع التهديد المستمر. فالعالم يحتاج إلى خلق طرق بديلة، في ظل استعداد السودان لإدخال تجارة الترانزيت، إذ تظل الموانئ السودانية محورية بقليل من الجهد، فالفرصة أصبحت متاحة، وبقليل من الجهد من الدول المستفيدة يمكن أن ترتقي الموانئ السودانية إلى مستوى الموانئ المحورية، وتسهم في تقليل تكلفة السلع والمنتجات في ظل التهديدات المستمرة في مضيق هرمز.
ويؤكد عوض أن السودان بدأ قبل سنوات في تحسين آليات المناولة بالموانئ، وصيانة القديمة، وإدخال أخرى جديدة، إلى جانب تحسن كبير في مصادر الكهرباء، ما يؤدي إلى نتائج إيجابية عندما يكون التوجه إقليمياً ودولياً. وأشار الباري إلى سابقة أخرى، حينما شمل التهديد مضيق باب المندب من الحوثيين، إذ أقرت إدارة التخطيط والبحوث بهيئة الموانئ السودانية بازدهار حركة السفن عبر الموانئ السودانية، ما يؤكد أن مسألة البحث عن بدائل أمر اضطراري تلجأ إليه الدول حتى لا يتوقف نشاطها الاقتصادي.
العربي الجديد
