سودان تمورو:
هنا حوار مع الشاعرة السودانية ابتهال تريتر التي خطّت وأسمعت شعرها في ميادين الحبر والصوت.
وقد صدرت لتريتر أربع مجموعات شعرية، هي: “على شفا الجرح”، و”الإشارات الخفية” (2011). ثم أصدرت في عام 2022 ديوانها “أخيط على مقاس العطر”، الذي نال جائزة الأمير عبد الله الفيصل. وكان أحدث إصداراتها “تستأنف الأنهار ضحكتها”، الصادر عام 2025.
(*) ما هو الشعر عند ابتهال تريتر؟
كل تعريفات الشعر نسبية، وكل يفصّل قماشته وفق رؤيته، هو دفق النفس واللغة وأنهرها الدائمة والموسمية إن شئت، ومحاولة حصره في تعريف واحد قاصرة. إنسانيًا لا ينفصل، وهو حياة كاملة للعارفين به. لم أجد شاعرًا إلا وأخلص لتجربته، وتلمّس الحياة في القصيدة. الشعر عظيم عندي وهو إحدى سجاداتيّ في الحياة. لذا ألتزم تجاهه ويلتزم تجاهي، وهو بارع في أخذي من كل شيء، وقد تحدّر من غمام واحد، وأهل الشعر أهلي. لست مؤمنة بتصنيفات من يعقّدونه، ولا بالقوالب المنحوتة، ولا بأدعياء جرحوا جسد القصيدة لنيل ألقاب تعطيهم خلودًا مزيفًا. وأنا مع كل انفتاح يضيف لونًا حقيقيًا للوحة النص.
(*) عندما تفقد ابتهال تريتر شغف اللحظة في استنطاق ما يكنّه خلدها من صور، ولا يتفاعل المعنى والفكرة مع ولادة الشعر، أهناك طقوس للرجوع لحالة الإلهام الشعري، أم أنك تتركينه حتى يعاودك؟
يعصيني وأعصيه، يهجرني وأهجره، نحب بعضنا بعنفوان مجنون إلا أنني أُسلمه كل شيء وله كلمة عليّ، حين أفقد الشغف؛ أقسو عليه وعليّ وعلى الحياة كلها فتشرد الكلمات وتتوه ولا ألاحقها لأنني أعلم أنفتها وأنها أبيّة فكلماتي ملكات، يتنزّلن وقتما أردن، ولست مؤمنة بغزارة الكتابة إلا في حالات محددة نادرة وبشكل أساسي أكتب في معتزلاتي وأفرح كثيرًا بها على ندرتها، ومواسم كتابتي خريفية ويزعجني كل مؤثر حولي، وتضيق أخلاقي كثيرًا على من حولي لحظة ميلاد القصائد، يضحك أهل بيتي حين أقول لهم أنا “ما معاكم” أي لست معكم فلا تحسبوني، نتوحد أحيانًا كثيرة، وتؤنسنا أحرفنا، وإن لم ننزلها وتتساقط أو تعلو إلى فضاءات الورق، يعود مدلّلًا على كيف كيفه، وهو لا يتركني أبدًا، لذا أتركه لهرموناته ومزاجيته.
(*) أكانت هناك حالات تفلت منك الشعر ولم يعد؟ ولم تقدري على استدعائه؟
نعم هنالك حالات تمرد موثقة، وطالت لأشهر طويلة، وربما تجيبك هذه:
قالوا هجرت الشعر قلت مصفّدة
شعري دمي وله العروق معبّدة
جمعت أشتاتًا وقلت لمبخّري
طف فوق غيم الهمهمات المجهدة
وانثر على الكلمات عندك صندلًا
واكتب على جمر المعاني السيّدة
قف بين قافيتين منسكب الرؤى
واعرف عطور المستحيل الجيدة
عد يا بخورًا لم أفق من سكره
واقرأ على حرز الفراق تشهده…
(*) كيف تصفين المشهد الشعري بالسودان تاريخيًا وحاضرًا ومستقبلًا؟
السودان أرض شعر خصبة والخرطوم سيدة القصيدة. لقد ظلمتنا كثيرًا المركزيات الثقافية العربية وقصّرنا نحن تجاه أنفسنا، ففي ديواننا الأسمر تجارب لم يعرفها العالم العربي، لقد عرف الناس الفيتوري لكنهم لم يسألوا عمن قبله وعمن بعده، لم يلتفتوا لعبقرية التيجاني يوسف بشير، ولا لأكتوبريات محمد المكي إبراهيم، ولم يستكشفوا عالم محمد عبد الحي ولا محيي الدين صابر، وعالم السودان في مجذوبه محمد المهدي وفي تحديقات نسره عبد الله الشيخ البشير، ورائده محمد سعيد العباسي، وشاعر مثل عبد الله شابو يقف على منصة مغايرة، وابحثوا عن مصطفى سند وعبد القادر الكتيابي. هذه أجيال خالدة وعتيقة وعميقة وقدّمت الرفيع في مواسم الخصوبة والندرة وقدمت المدهش، هذه كنوز غير مكتشفة، أما الحاضر فهو شاب متألق غني بالأسماء التي نحتت ببراعة في جدارية السودان الأدبية، والخرطوم قصيدتنا المشتهاة، فتحت سمائها تسكن أصوات الشعراء الحقيقيين، جمهورها لا يقارن، وصوتها لا يخبو، والخرطوم لها ريشتها وتعويذتها التي تحدد أطرها، هي في انسيابية نيلها وتعدد مناخاتها لذا لا تتشابه دواوينها أبدًا ولكل شاعر بصمته ونفسه، فسيفساء مشكلة من خصوبة الحرف وتحير مقاييس النزعة والتشتت الجمالي وأتمنى أن تكنس الحرب وجهها ليعود وجه الخرطوم الشاعر.
(*) حينما تقرأ ابتهال تريتر شعرًا؛ ما هي محددات التذوق خاصتها؟
أنا مولعة بغنائية النص، بالتراكيب الجريئة، الصدمات البديعة، اللغة غير المستهلكة، الجمل الشعرية التي تجعلك متفردًا في نسجك، الكثافة العالية، الاشتغال على العمق في غير تعقيد، المخبوء من الحياة والتنبؤات، الغرائبيات، الصراع والحوارية وقليل من الدراما، وإذا تابعت منجزات بعينها تتكشف لك محددات أخرى تختفي في الخطوط الدقيقة ويمكنها تغيير المعادلة كليًا.
إعادة إنتاج التراث على غير معرفة أحدث إرباكًا ويستخدمه البعض حلية لا أكثر مع كثير من الإبهام والغموض. النصوص الشعرية مليئة بالتداخل اللغوي والتراكيبي والمفاهيمي، وقد تسبّب النقاد في ذلك، وعليهم إعادة تقديم الدرس النقدي الجديد بوضوح لننتج أدبًا راسخًا يرتكز على أسس علمية وتحدد ضوابطه، فالكثافة العالية التي لا تفضي لشيء والحشو الزائد هذه أشياء تستوقفني وأنتظر تحليلًا لها من الجهات المختصة والمؤسسات العلمية التي تراجع دورها تجاه الحركة الشعرية المعاصرة، وللنقد حلبة تنافسية ويجب أن نرى منافسات النقد وتمايز النقاد في شفافية وموضوعية لأن هذا يرفع أسهم المشهد كله.
(*) يقال أن أساس الشعر هو الحذف، فلولاه لملأ الشعر الدنيا، لكن ماذا عن التدفق الشعوري الصادق، هل يحتاج إلى تشذيب وبالتالي نزع الشعور الفطري لكاتب النص! وبنسق آخر؛ أليس الشعر مقيدًا ببحور خليلية، وبالتالي فإن إطلاق الشعور بتدفقه، يخرجه من مسمى “الشعر”؟
نحذف الكثير نعم؛ لكن لا نتقيد وأمامنا تيارات الحداثة مفتوحة، وأنماط الكتابة تقفز من قيد الحصر، الشعر في أقصى تجلياته، لم تحتكره فئة ولم يسمح بغير التدفق الحلو عنوانًا له، وليس من الجيد تقديم تعريف آني قد نتنازل عنه بعد فترة تطول أو تقصر، وأعتقد أن تعريف الشعر بالكلام الموزون المقفى لم يعد صالحًا الآن، الشعر متنفس جمالي وتعبير متجدد ودائمًا يأتي من يبعث فيه روحًا جديدة، ويعيد تعريفه ضمنيًا وأهلًا بالتدفق إذا صار سماءً!
(*) لماذا يتغاضى الشعراء عن الحالة الضعيفة بين الجمهور والشعراء؟
لا يوجد جمهور كالسابق للشعر بالشكل الشعبي الذي كان في الزمن الذي نسميه الآن “الزمن الجميل”. فهل ذهب الشعر أم ذهب الشعراء أم ذهب الزمن؟!
بالرغم من ذلك ما زالت للشعر هزة عجيبة تخبرك هي عن المعايير بشكل تلقائي مهما اختلفت مستويات المتلقي، والقصيدة تفتح بابها بلا استئذان حين تكون راسخة متمكنة صادقة سلسة وتحمل فكرة غير مهتزة، لكن مع القصيدة الحديثة التي فرضت غموضها وتعقيداتها اختلفت المعايير والمحددات، وأصابنا داء النخبوية فلم تعد كل النصوص تخاطبنا. لا أميل للمباشر ولا المكرر وإن كان يستدر التصفيق ويعلي الجماهيرية كقيمة ثابتة ظلت تحدد قيمة الشاعر لفترات طويلة سابقة، الآن اللوحة محملة بالوجودية والفلسفة والحكمة ومثقلة بالتكثيف والصورة ومشحونة بالدلالات والترميز، ولذا ترى ازدواجية التلقي هذه، لكن نتفق على أن القديم وحّد قواعد التلقي، واشتغل على نمط نجح في توسيع دائرة الأدب وجله محفوظ لتمكنه من القلوب واحتفاظه بخصائص واضحة، وهذا يضفي على اللوحة جماليتها ويثبت تأثيرها وقدرتها على الصمود، بتشريح الواقع. المجتمع كله يعاني حالة انفصالية وعزوف عن الثقافة وميادينها، والشعر ليس بمعزل عنها؛ أما الجماهيرية تحديدًا فوالله هنا تقف خيل الشعر في منتصف المضمار وربما تكبو، ببساطة لأننا ألبسنا القصيدة غرائبية بعد اكتساح موجة الانزياحات المكثفة، ربما تجد شاعرًا لا يستطيع تفسير نصه فكيف بالمتلقي والجمهور! غادرنا السلاسة والجمالية.
الفجوة هذه صنعها الشعراء أنفسهم، فميولنا للتعقيد اللفظي والتراكيبي والترميز المكثف والغموض كلها أدوات حبست المتلقي عن جماليات النص الحديث، ووسعت الفجوة ولكن مع ذلك هنالك بعض الأسماء لم تغادرها غنائيتها ووضوحها ووصولها وتمكنها، وظلت العذوبة عنوانها الأوحد، هذا لا يعني أن الجمهور إيجابي فقد تراجعت اهتماماته بالأدب والعمل الثقافي بل انحدرت لعامل الضغط الاقتصادي، وبدائل حياتية ملزمة والحياة الرقمية واقتصاديات المعرفة؛ صارت هي المنتديات البديلة والفضاءات التي تجذب الناس أكثر فضلًا عن تراجعهم الملحوظ في الاهتمام باللغة العربية ومحمولاتها، فما عادت العربية تغازل الوجدان والإسفاف ملأ المشاهد جميعها، وهنا أبرر جزئيًا أن جمهور الشعر هم الشعراء أنفسهم.
(*) هل يمكن أن تنتقل ابتهال لعالم الرواية؟
ابتهال لا يمكنها كتابة الرواية مطلقًا، لكن هنالك اتجاه لكتابة القصة وميول لها، أما من “خاننا” من الشعراء وركض خلف الديوان الجديد فأنا خصمتهم الأبدية.
(*) أين تجد ابتهال تريتر نفسها بحمولة شعرها في المشهد الذي يكتبه الشعر نفسه في هذه الحقبة الزمانية، وماذا سيكتب تاريخ الشعر عنك؟
هذا سؤال يصعب أن أجيب عنه، ومتروك للنقاد والمتلقين تمامًا، أعتد بتجربتي طبعًا، أحاول في كل ديوان ألا أكرر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، ولا أضعني في حالة تنافسية مع أحد، هذه تجارب إنسانية تقدم ما عندها، يتميز كل منا وفق قدراته، وتنهض جملتنا الشعرية وتنتكس أحيانًا.
