الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيطهران وواشنطن في إسلام آباد!.. بقلم نزار احمد

طهران وواشنطن في إسلام آباد!.. بقلم نزار احمد

سودان تمورو

حط وفد إيراني ضخم يضم نحو ثمانين عضواً رحاله في العاصمة الباكستانية إسلام آباد الليلة الماضية، إيذاناً بانطلاق جولة مفاوضات مفصلية مع الجانب الأمريكي. بيد أن القراءة المتأنية للمشهد، قبل الغوص في تفاصيل ما سيجري على طاولة الحوار، تحتم الوقوف أمام تركيبة الوفدين الإيراني والأمريكي وحجمهما، وهو ما يحمل في طياته دلالات عميقة ورسائل بالغة الأهمية حول المآلات المرتقبة لهذه المحادثات. فنحن أمام مشهد غير مسبوق؛ إذ لم تشهد العلاقات بين البلدين منذ اندلاع الثورة الإيرانية مفاوضات بهذا المستوى الرفيع، وهي بلا شك أرفع مواجهة دبلوماسية بينهما تأتي في أعقاب حرب طاحنة حبست الأنفاس، وتستند، في سابقة لافتة، إلى دعم عملي ومطلق من قاطبة أركان دوائر صنع القرار في طهران.

ورغم غياب المعلومات الدقيقة والمفصلة حتى اللحظة عن تركيبة الوفد الأمريكي الذي يقدر عدده بنحو ثلاثمائة شخص، إلا أن حشداً دبلوماسياً وتقنياً بهذا الحجم يضم بطبيعة الحال جيشاً من الخبراء والمتخصصين في شتى المجالات. وفي المقابل، فإن هندسة الوفد الإيراني الذي توزع على خمس لجان رئيسية (سياسية، عسكرية، أمنية، قانونية، واقتصادية) تعكس مؤشراً جلياً على حجم الجدية الاستثنائية التي تغلف هذه الجولة التفاوضية من كلا الطرفين.

أمام هذا المشهد، تبرز في الأفق قراءتان تحليليتان لتفسير هذا الحشد الدبلوماسي غير المسبوق، خاصة من الجانب الإيراني. القراءة الأولى تذهب إلى أن ما يجري يتجاوز مفهوم “المفاوضات” التقليدية، وأن الطرفين قد توصلا بالفعل، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار وما تلاها، إلى تفاهمات مبدئية ورؤية مشتركة، الأمر الذي استدعى تشكيل هذا الفريق الضخم لوضع اللمسات الأخيرة وصياغة التفاصيل الدقيقة والمعقدة ضمن الملفات الخمسة المذكورة. أما القراءة الثانية، فتستند إلى التعقيدات الأمنية الراهنة وصعوبة التنقل، وترجح أن تكون طهران قد منحت فريقها التفاوضي صلاحيات واسعة ومطلقة، بحيث يكون هذا الوفد الشامل والمتعدد التخصصات جاهزاً للمراجعة الدقيقة لأي نص يتم التوافق عليه فوراً، دون الحاجة للدخول في دوامة الرحلات المكوكية للعودة إلى العواصم للتشاور.

وأياً كانت الدوافع الكامنة خلف تشكيل هذا الفريق، وسواء استند إلى تفاهمات مسبقة في الغرف المغلقة أم لا، فإن هذا الحضور بحد ذاته يعكس رغبة جامحة، وسرعة في التحرك، وبراغماتية واضحة في تعبيد الطريق نحو اتفاق ما. إلا أن الوصول إلى خط النهاية وتوقيع اتفاق نهائي يظل أمراً محفوفاً بالغموض؛ فالعقبات والتحديات، سواء تلك المتعلقة بالنصوص وتفاصيلها أو بالسياقات الإقليمية والدولية المحيطة بها، تبدو ضخمة، غير أن الحوافز والدوافع التي تدفع الطرفين نحو التسوية ليست قليلة على الإطلاق.

في نهاية المطاف، وبعيداً عن الضجيج الإعلامي والتصريحات المثيرة للجدل التي يطلقها دونالد ترامب والدائرة المقاربة منه، سيبقى الميدان هو الحكم. فالمأزق الذي أفرزته الحرب، والتبعات السياسية والاقتصادية المتراكمة على كاهل الإدارة الأمريكية، والمخاوف من انزلاق الأمور نحو تصعيد أوسع في حال تجدد القتال، يقابلها في الضفة الأخرى قلق إيراني عميق من التداعيات الكارثية لأي جولة حرب جديدة على بنيتها التحتية؛ كلها عوامل قد تجبر الطرفين على الالتقاء في منتصف الطريق وصياغة اتفاق يرضي الطرفين، أو على الأقل يحفظ ماء الوجه لكليهما. والأيام وحدها كفيلة بكشف ما تخفيه أروقة إسلام آباد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات