الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي كيف كشفت أزمة طهران عورة السياسة الخارجية لنيودلهي؟.. بقلم سعد الدين عطية...

 كيف كشفت أزمة طهران عورة السياسة الخارجية لنيودلهي؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في الوقت الذي كانت فيه إسلام آباد تتصدر المشهد الدبلوماسي وتستضيف كلا من الولايات المتحدة وإيران في أروقتها لإدارة حوار حساس، كان السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على المراقبين: أين تقف الهند، الغريم التقليدي لباكستان، من هذه اللعبة الإقليمية المعقدة؟ بينما كان الجار الباكستاني يقتنص دور الوسيط الإقليمي الفاعل، وجدت نيودلهي نفسها قابعة على الهامش، تتخبط في محاولات بائسة للموازنة بين إرثها التاريخي كقوة عدم انحياز، وبين ارتهانها المتزايد لمحور واشنطن وتل أبيب. لم يكن الارتباك الهندي الأخير، والتأخر اللافت في التفاعل مع الأحداث المفصلية التي ضربت طهران، مجرد حذر دبلوماسي عابر، بل كان تجسيدا صارخا لضياع البوصلة الاستراتيجية وتآكل استقلالية القرار الخارجي الهندي.

في اللحظات الأولى التي تلت الحدث الجلل المتمثل في استشهاد المرشد الإيراني، لاذت الحكومة الهندية بصمت مطبق ومريب. هذا الصمت لم يكن وليد صدمة أو تردد روتيني، بل كان قرارا مؤسسيا خضع لحسابات معقدة ومبالغ فيها. وقد تكشفت خيوط هذه الحسابات عبر برقية داخلية مسربة من أروقة وزارة الخارجية الهندية بتاريخ 3 مارس، مذيلة بتوقيع الأمين المشترك لشؤون باكستان وأفغانستان وإيران، والتي أصدرت فرمانا صارما لكافة البعثات الدبلوماسية الهندية بالامتناع التام عن فتح أو توقيع سجلات التعازي دون إذن مسبق من المركز. كانت الرسالة المبطنة واضحة وضوح الشمس: نيودلهي ترتعد فرائصها من إبداء أي تعاطف علني مع طهران، خشية أن يثير ذلك حفيظة حلفائها الجدد في واشنطن وتل أبيب.

وبعد طول تردد، وفي 5 مارس، أوفدت الحكومة الهندية سكرتير وزارة الخارجية، فيكرام ميسري، ليوقع على سجل التعازي في السفارة الإيرانية بنيودلهي. لم تكتفِ الهند بهذا التأخير، بل تعمدت تهميش الحدث عبر امتناعها عن إصدار بيان نعي رسمي مستقل، معتبرة توقيع ميسري بمثابة الموقف الرسمي الوحيد. ووفقا للمصادر، اكتفى المسؤول الهندي بكلمات بروتوكولية مقتضبة لا تعكس حجم المصاب. وهنا تجلت السقطة الرمزية والسياسية للهند؛ فلم يحضر رئيس الوزراء، ولم يشارك وزير الخارجية، ولم يصدر بيان يليق بثقل وتاريخ العلاقات الهندية الإيرانية. لقد اختارت نيودلهي أرفع مسؤول إداري في الوزارة، وليس شخصية سياسية وازنة، في محاولة بائسة لرفع الحرج دون رفع السقف السياسي للحدث.

هذا الموقف المتخاذل لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة في العقيدة السياسية لحكومة ناريندرا مودي، التي ارتمت بشكل شبه كامل في أحضان المحور الأمريكي الإسرائيلي، متخلية عمليا عن ثوب عدم الانحياز الذي طالما تدثرت به الهند تاريخيا. وقد تجلى هذا الانخراط في المحور الجديد بوضوح فج خلال حادثة استهداف وإغراق المدمرة الإيرانية “دنا” بالقرب من المياه السريلانكية، وهي المدمرة التي كانت تشارك في مناورات “ميلان” البحرية تلبية لدعوة هندية رسمية.

لم تكن حادثة غرق “دنا” مجرد خسارة عسكرية، بل كانت امتحانا عسيرا لمدى مصداقية الهند كقوة إقليمية مهيمنة في المحيط الهندي. فالدولة التي تروج لنفسها كحارس للأمن الإقليمي، ابتلعت لسانها أمام استهداف ضيف عسكري في عقر دارها الاستراتيجي. اكتفت البحرية الهندية بلعب دور فِرق الإنقاذ، متجنبة توجيه أي أصابع اتهام، أو حتى تلميح، للدور الأمريكي في الحادثة. هذا الخنوع السياسي أكد بما لا يدع مجالا للشك أن نيودلهي إما غير راغبة، أو غير قادرة، على اتخاذ موقف سيادي يغضب واشنطن، حتى وإن كان الثمن التفريط في كرامتها الاستراتيجية.

ولعل ازدواجية المعايير الهندية بلغت ذروتها في 12 مارس، عندما حوصر المتحدث باسم الخارجية بسؤال محرج حول التناقض بين مسارعة الهند لإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مقابل صمتها المطبق إزاء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ناهيك عن صمتها تجاه غرق المدمرة “دنا”. جاء الرد الهندي باهتا ومراوغا، متخفيا خلف شعارات فضفاضة حول حماية البنية التحتية للطاقة والدعوة للدبلوماسية، هربا من الاستحقاق الأخلاقي والسياسي المتمثل في الإدانة الصريحة للعدوان.

لم تستوعب الهند فداحة خطيئتها الاستراتيجية إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن سحبت باكستان البساط من تحت أقدامها عبر وساطتها رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران. في محاولة لترقيع ما يمكن ترقيعه، رفعت نيودلهي أخيرا مستوى تمثيلها الدبلوماسي يوم، 12 أبريل، عبر إرسال وزير الدولة للشؤون الخارجية، پابيترا مارغريتا، لحضور مراسم ذكرى الأربعين في السفارة الإيرانية. هذا التحرك المتأخر والبطيء يكشف عن محاولة هندية يائسة للانتقال من مربع “إدارة المخاطر” إلى محاولة “ترميم العلاقات”، لكنه ترميم يأتي بعد أن اهتزت الثقة بشدة.
ففي الوقت الذي منحت فيه طهران لنيودلهي مفاتيح ميناء تشابهار ككنز استراتيجي بعقود طويلة الأجل، ردت الهند الجميل بالانحياز المبطن لخصوم إيران والتلكؤ في مساندتها، لتثبت الأيام أن نيودلهي قد تخسر نفوذها الإقليمي كله إذا استمرت في هذه السياسة المترددة في منطقة لم تعد تعترف إلا بالمواقف الحاسمة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات