الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيجنون الحصار المزدوج!.. بقلم سهيلة الباقر

جنون الحصار المزدوج!.. بقلم سهيلة الباقر

سودان تمورو

يمكن اعتبار البيان الأخير الصادر عن القيادة المركزية الأميركية “سنتکام” بشأن فرض حصار بحري على إيران، مع استثناء حركة السفن الأخرى المتجهة إلى دول المنطقة، بمثابة التفسير العملي والأخطر لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول محاصرة مضيق هرمز. فإذا كان القصد الأميركي يتلخص في منع حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية حصراً، فإن واشنطن تسعى بذلك إلى خلق أداة ضغط قاسية للمقايضة بها مقابل إعادة فتح المضيق، ودفع طهران إلى قبول الإملاءات الأميركية على طاولة المفاوضات. إلا أن هذا القرار المتهور يحمل في طياته تداعيات وأكلافاً إقليمية وعالمية تتجاوز الحدود الإيرانية بكثير؛ ففي واقع الأمر، يقوم ترامب من خلال هذه الخطوة بوضع “قفلين” وليس قفلاً واحداً على بوابة مضيق هرمز الاستراتيجية.

تأتي هذه الخطوة التصعيدية بعد يوم واحد فقط من محادثات إسلام آباد، لتؤكد مجدداً أن العقلية التي تدير البيت الأبيض لا تفكر في أي حلول وسط، بل تسعى حثيثاً نحو فرض اتفاق يشبه “وثيقة استسلام” كاملة. وقد تجلى هذا النهج الاستعلائي بوضوح في تصريحات ترامب نفسه حينما قال بلهجة قاطعة: “لا أريد 90% ولا 95%، بل أريد كل شيء من إيران”. هذا التعنت يعكس انسداداً تاماً في الأفق الدبلوماسي، وتحولاً خطيراً نحو سياسة حافة الهاوية التي لا تقبل أنصاف الحلول.

أما على الصعيد الميداني، وبحثاً في آلية تنفيذ هذا الحصار على الموانئ الإيرانية، فمن المرجح أن يتخذ طابعاً مشابهاً لتكتيكات إغلاق المضيق. فمن المستبعد جداً، عسكرياً واستراتيجياً، أن تغامر البحرية الأميركية بنشر بوارجها ومدمراتها على مقربة من السواحل الإيرانية لتشكيل حزام حصار تقليدي؛ فهذا سيضع قطعها البحرية لقمة سائغة في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. بدلاً من ذلك، سيعتمد الحصار الأميركي على إشاعة مناخ من الرعب وانعدام الأمن في الممرات الملاحية، بحيث تتوقف خطوط الشحن تلقائياً خوفاً من الاستهداف، مع احتمالية توجيه ضربات عن بعد لأي سفينة تتجاهل التحذيرات. إنه حصار بالترهيب والنيران البعيدة، وليس بالوجود العسكري المباشر في بؤرة الخطر.

لا شك أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان فوراً سيناريو الحصار البحري الذي فُرض على فنزويلا، وهو ما ألمح إليه ترامب نفسه مؤخراً. لكن المقاربة الاستراتيجية تكشف عن بون شاسع بين الحالتين؛ فالحصار البحري المفروض على إيران اليوم يبدو أقرب إلى “فقر في الخيارات” ومحاولة يائسة لاختلاق ورقة ضغط أميركية توازي الورقة الإيرانية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز. إنها خطوة تنبع من التخبط أكثر من كونها استراتيجية مدروسة.

لقد أثبتت الوقائع حتى اللحظة أن حسابات ترامب في هذه المواجهة كانت خاطئة بامتياز، وما الفشل في تحقيق أهداف حملة الضغط الأقصى إلا دليل دامغ على هذا الخلل. وإذا ما سلكت الحسابات المفتقرة للعقلانية، والتي تقف خلف قرار محاصرة الموانئ الإيرانية، نفس المصير، فإننا أمام كارثة ستعمق من التداعيات العالمية لهذه المواجهة وتدخلها في نفق مظلم وخطير. الخاسر هنا لن يكون طرفاً واحداً؛ بل إن الجميع سيدفع الثمن باهظاً: أميركا، أوروبا، الصين، والمنطقة بأسرها والاقتصاد العالمي بأسره.

في المحصلة، تترقب الأوساط الاستراتيجية طبيعة الرد الإيراني على هذا التصعيد. ومن المرجح جداً أن يؤدي ارتفاع منسوب المخاطر إلى شلل كامل في حركة الملاحة، ليس فقط في الموانئ الإيرانية، بل في كافة أرجاء المنطقة، مما قد يمتد كالنار في الهشيم ليطال مضيق باب المندب أيضاً، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر وقناة السويس وحركة التجارة الدولية. وهنا يبرز التساؤل الملح والأكثر مرارة: هل يسعى ترامب من خلال هذه المقامرة غيرالمحسوبة إلى الانتقام من العالم الذي رفض مجاراته في حربه، أم من الشعب الأميركي الذي خرج ضده، أم أنه مجرد تيه استراتيجي في مواجهة طهران؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات