سودان تمورو
كعادته التي لا تقيم وزناً للمقامات ولا تعترف بحدود البروتوكول، وفي اندفاعة نرجسية لا تقبل الاختلاف، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة دبلوماسية ودينية من العيار الثقيل. هذه المرة، لم يكن الخصم سياسياً تقليدياً، بل كان رأس الكنيسة الكاثوليكية، البابا “ليو الرابع عشر”، الذي وجد نفسه في مرمى نيران التصريحات الترامبية اللاذعة، مما أشعل فتيل غضب عابر للقارات وصل صداه إلى روما.
منذ انتخابه في مايو 2025، كأول بابا أمريكي المولد، تبنى البابا ليو الرابع عشر نهجاً أخلاقياً صارماً ضد الحروب، واصفاً قتل البشر بأنه عمل “غير إنساني وغير أخلاقي”، ومستنداً إلى تعاليم السيد المسيح التي تدعو لنبذ العنف. إلا أن هذا الصوت السلامي اصطدم برغبة ترامب الجامحة في التصعيد العسكري، خاصة فيما يتعلق بملف الحرب على إيران والعدوان على لبنان.
استشاط ترامب غضباً من دعوات البابا لإنهاء العمليات العسكرية والتضامن مع الشعب اللبناني، معتبراً أن اعتراض الحبر الأعظم على الحرب على إيران هو “خطأ فادح”. ولم يتوقف ترامب عند النقد السياسي، بل انتقل إلى الهجوم الشخصي واصفاً البابا بأنه “ضعيف في مكافحة الجريمة”.
في هجوم مضاد مساء الأحد، صرح ترامب بلهجة حادة:
“لا أريد باباً يعتقد أنه من المقبول أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، أو يرى سوءاً في مهاجمة أمريكا لفنزويلا”.
وفي المقابل، حافظ البابا ليو على هدوئه الرسولي، مؤكداً من الجزائر في مستهل جولة أفريقية أنه سيواصل التنديد بالحرب “بصوت عالٍ”، ومشدداً على أن “رسالة الإنجيل لا يجوز إساءة استخدامها كما يفعل البعض”، في إشارة واضحة لتوظيف الدين في تبرير الصراعات.
الدخول المفاجئ والقوي على خط الأزمة جاء من إيطاليا، حيث وصفت رئيسة الوزراء “جورجيا ميلوني” تصريحات ترامب بأنها “غير مقبولة”. ويمثل هذا الموقف التحول الأكثر دراماتيكية في علاقة ميلوني بترامب؛ إذ لطالما سعت للحفاظ على توازن دقيق مع حليفها في البيت الأبيض.
ميلوني، التي تعرضت لضغوط سياسية داخلية، حسمت موقفها قائلة:
“أجد كلمات الرئيس ترامب ضد الحبر الأعظم غير مقبولة. من الطبيعي والصحيح أن يدعو البابا إلى السلام ويدين جميع أشكال الحروب”.
ويأتي هذا السجال الذي انطلق يوم الجمعة الماضي دون أي بوادر للتهدئة؛ فبينما يصر ترامب على أنه “لا يوجد ما يعتذر عنه”، يتعهد البابا بمواصلة انتقاد التحالفات الحربية.
هذا الصدام لا يعكس فقط فجوة في الرؤى السياسية، بل يكشف عن عزلة تدريجية لواشنطن حتى بين أقرب حلفائها الأوروبيين، حيث بدأت تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على أسواق الطاقة والرأي العام العالمي، مما جعل الدفاع عن “صوت السلام” ضرورة سياسية بقدر ما هي التزام أخلاقي.
ترامب يهاجم “بابا السلام” وميلوني تدخل خط المواجهة .. موسى الفكى اسماعيل
مقالات ذات صلة
- Advertisment -<>>
