الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمهمة باكستان المستحيلة وغضب خليجي "مكتوم" من القاهرة!.. بقلم لطفي الشناوي

مهمة باكستان المستحيلة وغضب خليجي “مكتوم” من القاهرة!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

لم يكن تزامن هبوط طائرة قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، في العاصمة الإيرانية طهران، مع وصول رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، إلى المملكة العربية السعودية، مجرد مصادفة في جداول الدبلوماسية الروتينية. هذا التزامن الدقيق في زيارة قوتين إسلاميتين متقاطعتين يحمل في طياته دلالات عميقة ورسائل تتجاوز مجرد التباحث حول الحرب الإقليمية الأخيرة ومساعي وقف إطلاق النار؛ بل يكشف عن تحرك عاجل لاحتواء حريق إقليمي يهدد بتغيير خرائط التحالفات في الشرق الأوسط.

تدير إسلام آباد علاقاتها مع طهران والرياض عبر حقل ألغام جيوسياسي بالغ التعقيد. فمن جهة، ترتبط باكستان مع إيران بوشائج التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين، ومن جهة أخرى، يربطها بالسعودية تحالف استراتيجي وأمني واقتصادي عميق. ورغم أن باكستان ترتبط بشراكة استراتيجية مع الصين، إلا أنها تُعد تاريخياً حليفاً للولايات المتحدة منذ حقبة الحرب الباردة ومواجهة النفوذ السوفياتي. غير أن ما يميز علاقة إسلام آباد بالرياض عن علاقتها بطهران هو ذلك البعد الأمني والاستراتيجي العميق، والاحتياج المالي الباكستاني المستمر للخليج، فضلاً عن تقارب العاصمتين في مدارهما مع واشنطن.

اليوم، تجد باكستان نفسها مدفوعة للعب دور الوسيط في هذه الحرب، ليس طمعاً في تعزيز مكانتها الإقليمية في مواجهة غريمتها الهند، بل هروباً من مأزق تاريخي فرضته عليها حتمية الجغرافيا مع إيران، والتزامات التحالف مع السعودية وأمريكا. لقد وجدت إسلام آباد نفسها أمام معضلة حقيقية؛ فهي ترتبط باتفاقية دفاع مشترك مع السعودية التي طالتها نيران الهجمات الإيرانية مؤخراً، وكان من المتوقع في الرياض أن تُفعل هذه الاتفاقية ولو في حدودها الدنيا. لكن في المقابل، كان أي تدخل باكستاني سيضع إسلام آباد في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران ضمن حرب إقليمية تقف فيها إسرائيل على الطرف الآخر. الدخول في خندق واحد -ولو بشكل غير مباشر- مع إسرائيل ضد دولة جارة ومسلمة، كان كفيلاً بإشعال غضب الشارع الباكستاني المناهض بشدة لتل أبيب، مما ينذر بإدخال باكستان في أتون حرب طائفية وأهلية مدمرة لا يمكن لجيشها أو حكومتها تحمل تبعاتها.

هذا الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة لم يضع باكستان وحدها في عين العاصفة، بل امتد ليمثل تحدياً وجودياً لقوى إقليمية كبرى أخرى، وعلى رأسها مصر وتركيا. بعيداً عن التعقيدات الباكستانية، تشترك القاهرة وأنقرة وإسلام آباد في هاجس استراتيجي عميق ومكتوم؛ وهو الإدراك التام بأن أي انتصار ساحق للولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب وتصفية الحسابات مع طهران، سيجعل من هذه العواصم الثلاث الهدف التالي لإعادة هندسة المنطقة وتطويعها.

وفي خضم هذه الحسابات المعقدة، يتشكل اليوم في أروقة العواصم الخليجية، وتحديداً في الرياض وأبو ظبي، غضب مكتوم واستياء غير معلن تجاه مواقف هذه الدول الثلاث، وبشكل خاص تجاه “مصر العربية”. ترى العواصم الخليجية أن القاهرة لم تتخذ موقفاً حازماً يتناسب مع حجم الهجمات الإيرانية. ويبدو هذا الغضب الخليجي، وتحديداً الإماراتي، أكثر مرارة تجاه القاهرة؛ انطلاقاً من رؤية أبو ظبي بأنها لعبت دوراً محورياً في دعم وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013، وقدمت لحكومته طوال 13 عاماً مساعدات مالية ضخمة لعبور أزماتها الاقتصادية الطاحنة، وكان الرهان معقوداً على اصطفاف مصري لا لبس فيه في لحظات التهديد الوجودي للخليج.

إن التداعيات الجيوسياسية لهذه الحرب ستلقي بظلالها الكثيفة على المنطقة لعقود قادمة، وستترك ندوباً غائرة في جسد التحالفات العربية والإسلامية. ومن هنا، تأتي التحركات الباكستانية المكوكية بشقيها السياسي والعسكري، مدركةً لحجم هذه المخاطر. تحاول إسلام آباد اليوم اجتراح معجزة دبلوماسية وكسر حدة الاستقطاب لإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التنسيق العالي مع حليفتها السعودية لضمان مصالحها. ليبقى السؤال المفتوح الذي يحبس أنفاس المنطقة: هل تملك باكستان حقاً القدرة على إطلاق صافرة النهاية لهذه الحرب الإقليمية، أم أن كرة النار قد تجاوزت قدرة الجميع على إخمادها؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات