الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تصارع باكستان للهروب من "كابوسها الإستراتيجي"؟.. خليل سعيد

كيف تصارع باكستان للهروب من “كابوسها الإستراتيجي”؟.. خليل سعيد

سودان تمورو

في سباق لاهث مع الزمن، وفي أروقة الدبلوماسية المشتعلة، هبطت طائرة قائد الجيش الباكستاني، الماريشال عاصم منير، في العاصمة الإيرانية طهران، حاملة في طياتها ما يُعتقد أنه الرد الأميركي الرسمي على المقترحات الإيرانية. هذه التحركات المكوكية التي تقودها إسلام آباد تأتي قبل أيام قليلة من انتهاء مهلة الأسبوعين الخاصة بوقف إطلاق النار الهش. وعبر خطوط الطيران المتقاطعة، يتجه منير من طهران إلى واشنطن لنقل الرد الإيراني النهائي، في محاولة يائسة لتمديد الهدنة وتدشين جولة جديدة من المفاوضات، لتفادي ما تراه العقلية العسكرية والسياسية الباكستانية “كابوساً إستراتيجياً” يهدد المنطقة بأسرها.

في واقع الأمر، لا تقف حسابات إسلام آباد عند حدود القلق من تداعيات أزمة الطاقة في مضيق هرمز أو التمدد الإسرائيلي المتسارع، بل تتجاوز ذلك لتضع المؤسسة العسكرية الباكستانية أمام اختبار تاريخي قاسٍ. ويبدو جلياً للقارئ للمشهد الآسيوي أن الجنرال عاصم منير يسعى جاهداً لاقتفاء أثر سلفه الجنرال يحيى خان، الذي لعب دوراً محورياً في تسوية الخلافات الأميركية الصينية مطلع السبعينيات (تحديداً في عقد 1970)، متجنباً في الوقت ذاته الانزلاق في المسار المظلم الذي وجد الجنرال برويز مشرف نفسه مجبراً عليه عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

بالنظر إلى الخريطة الجيوسياسية، تعيش باكستان منذ سبعة عقود في حالة عداء مستحكم على حدودها الشرقية مع الهند، بينما تحولت حدودها الشمالية إلى بؤرة توتر مستمر جراء التباين المتزايد مع حركة طالبان في أفغانستان. وسط هذا الطوق من النيران، تظل إيران تاريخياً هي الجار الأكثر استقراراً وقابلية للتفاهم مع الدولة الباكستانية، فرغم بعض المطبات العابرة، لم تصل التوترات بين البلدين يوماً إلى حافة الهاوية. ومن هنا، فإن أي انهيار للدبلوماسية وعودة لآلة الحرب يعني بالضرورة ضرب الاستقرار الداخلي الإيراني، وهو ما سيجر باكستان رغماً عنها إلى مستنقع مواجهة لم تخترها، لتكتمل بذلك ملامح الكابوس الإستراتيجي الذي يحيط بها من كل جانب.

غير أن المعادلة الباكستانية تزداد تعقيداً إذا ما أدخلنا العامل السعودي في الحسبان. فلطالما كانت الرياض بمنزلة طوق النجاة للاقتصاد الباكستاني المأزوم؛ إذ تودع المملكة نحو 5 مليارات دولار كأمانات في البنك المركزي الباكستاني، ناهيك عن المساعدات النفطية والاستثمارية. وكضريبة حتمية لهذا الدعم، وجدت إسلام آباد نفسها مضطرة لتعزيز التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض. وتشير التسريبات الحديثة إلى أن فكرة إقرار “دفاع متبادل” كانت مطروحة على طاولة رؤساء وزراء باكستان منذ أغسطس 2021، إلا أن رئيس الوزراء السابق عمران خان ماطل في توقيعها خشية التورط في حروب خارجية. ولكن مع إزاحة خان وإحكام منير قبضته على المؤسسة العسكرية، وقّعت باكستان أخيراً في عام 2025 على “اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المتبادل” مع السعودية.

كانت النخبة في إسلام آباد تظن أن هذه الاتفاقية مجرد مقايضة للدعم المالي بردع نظري، ولم يتخيلوا أن توضع موضع التنفيذ بهذه السرعة وفي خضم حرب إقليمية مستعرة. لكن استهداف إيران لمصالح أميركية على الأراضي السعودية خلال “حرب رمضان” وضع هذا الالتزام على المحك العملي. وقد تجلى ذلك حينما سارعت السعودية لتأمين مبلغ 3 مليارات دولار لتعويض نقص التمويل الإماراتي لباكستان، لتجد إسلام آباد نفسها مطالبة بسداد فاتورة هذا الدعم.

اليوم، تمثل الوساطة الباكستانية المحمومة بين واشنطن وطهران محاولة للوفاء بهذا الالتزام عبر البوابة الدبلوماسية وتجنب التورط العسكري المباشر. فرغم الأنباء عن تحريك مقاتلات باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز تزامناً مع جولة منير، وتوجه رئيس الوزراء شهباز شريف إلى الرياض، إلا أن باكستان تدرك جيداً أن الدخول في هجوم عسكري ضد طهران هو انتحار سياسي. إنها تلعب أوراقها الأخيرة دفاعياً ودبلوماسياً، وتتحمل عبء وساطة شاقة للغاية، أملاً في إيقاف عقارب الساعة قبل أن تستيقظ المنطقة على انفجار شامل لن يترك الأخضر ولا اليابس.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات