خاص سودان تمورو
لم تعد الأحاديث المتواترة عن عمق الخلافات داخل أروقة “قوات الدعم السريع” مجرد تكهنات عابرة، بل غدت واقعاً ملموساً يهدد تماسك المؤسسة ويقوّض أداءها الميداني. فمع تفشي ظاهرة “التخوين” وانهيار جدار الثقة بين المكونات المختلفة، سيطر التوجس المتبادل على المشهد؛ مما دفع مراقبين للتحذير من سيناريوهات كارثية تنتظر هذه القوات حال استمرار حالة التآكل الداخلي.
لقد جاء انشقاق القائد الميداني البارز، اللواء النور قبة، وانضمامه للقوات المسلحة السودانية بمثابة “إسفين” دُقَّ في هيكلٍ يعاني أصلاً من تصدعات هيكلية. ولم تكن رسالة العميد عبد الله رزق الله (السافنا)، التي تضامن فيها مع رفيق دربه وابن قبيلته “المحاميد”، إلا زلزالاً هزّ أركان المنظومة؛ إذ برر “السافنا” خطوة قبة بحجم الإهمال والتهميش الذي طاله إبان إصابته، منتقداً بصوتٍ عالٍ استعلاء “أبناء الماهرية” (عشيرة آل دقلو) على بقية المكونات. هذه الرسالة التحذيرية لم تقف عند حد العتاب، بل حمّلت القيادة مسؤولية “الوضع المزري”، ملوحةً بانشقاقات أوسع ما لم يتم تدارك الأزمة.
إن ما كشفته رسالة “السافنا” يتجاوز مجرد الاحتجاج؛ إلى إعلان صريح عن رفض “بنية المحسوبية” وهيمنة الدائرة العائلية الضيقة على مفاصل القرار. واليوم، يقف “السافنا” أمام مفترق طرق: فإما الانشقاق الصريح، أو مواجهة مصير مشابه للقائد “جلحة”، الذي تشير التقارير إلى تصفيته عقب بوادر خروجه عن الطاعة.
وفي سياق هذا الغليان، تأتي الأنباء عن قرار عبد الرحيم دقلو بسجن رئيس هيئة العمليات، اللواء عثمان عمليات، وتشديد الحراسة عليه بتهمة “التواصل مع الجيش”، لتعكس حالة من فقدان السيطرة والذعر داخل القيادة العليا.
إن انشقاق “قبة” لم يكن حادثاً معزولاً، بل كان “نقطة تحول” استراتيجية أجبرت القيادة على اتخاذ إجراءات قسرية، شملت اعتقالات وتضييقاً أمنياً لمحاصرة تمردٍ بدأ يخرج عن نطاق الاحتواء.
ولم تنحصر نيران الخلاف في الجبهات العسكرية فحسب، بل امتدت لتلتهم الشق المدني والإعلامي؛ حيث تم استبدال الناطق الرسمي الفاتح قرشي بـ الطيب خليل، في خطوة فسرها الخبراء بأنها انعكاس للصراعات القبلية والإدارية العميقة، ومحاولة بائسة لترميم المعنويات المنهارة عبر تغيير الوجوه، دون معالجة جذور الأزمة.
إن التحول الأخطر في مسار “الدعم السريع” يكمن في تحولها من “مليشيا عسكرية متمردة” إلى “إقطاعية أسرية مغلقة” تُدار حصرياً لصالح “آل دقلو”. هذا الاحتكار المطلق للقرار وتهميش القيادات الميدانية التاريخية فجّر حالة من الاحتكاك الحاد بين القيادة والقواعد، وأطلق حملة “تطهير وتخوين” واسعة، شملت سحب العربات القتالية وفرض أطواق أمنية على مكونات قبلية بعينها، واستبدال العناصر المحلية بـ “أخرى أجنبية”؛ مما عمّق الفجوة ووسّع دائرة الغضب، لاسيما في محاور كردفان.
ختاماً، يمكن القول إن انشقاق “قبة” فجّر الأزمة، وتسجيل “السافنا” عرّاها، وسجن “عثمان عمليات” أكد انتقالها إلى صراع “كسر عظم” داخل القيادة.
إن “الدعم السريع” اليوم لم يعد جسماً موحداً، بل هو بنية تتفكك من الداخل؛ فالقيادة لم تعد تدير معارك الميدان، بقدر ما تحاول النجاة من شبح التحلل الذي يهدد الكيان برمته.
