السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا يتعثر الإعلام الإيراني رغم صموده أمام السردية الأميركية؟.. بقلم غلام الدين...

لماذا يتعثر الإعلام الإيراني رغم صموده أمام السردية الأميركية؟.. بقلم غلام الدين يوسف

سودان تمورو

في خضم المعارك الطاحنة التي تعصف بالمنطقة، لم تعد رحى الحرب تدور في ميادين القتال فحسب، بل اتسعت لتشمل الفضاء المفتوح والساحات الإعلامية التي باتت تلعب دوراً لا يقل خطورة عن الصواريخ والمسيرات. وإذا ما أمعنّا النظر في أداء الإعلام الإيراني والمنابر الموالية له في هذه المواجهة، سنجد أنه أثبت قدرة لافتة على الصمود والمجاراة أمام ماكينة إعلامية غربية وأميركية هائلة ولديها باع طويل في هندسة الرأي العام. لقد نجح هذا الإعلام، إلى حد بعيد، في الحفاظ على تماسك سرديته ومنع احتكار واشنطن وحلفائها لتدفق المعلومات، بيد أن هذا الصمود لا ينفي حقيقة جوهرية يدركها المراقبون؛ وهي أن هذه المنظومة الإعلامية لا يزال ينقصها الكثير، وتعاني من ثغرات بنيوية وتكتيكية تجعلها تتعثر في “حرب اللحظات”.

تاريخياً، عانت المنظومة الإعلامية المرتبطة بإيران من ضعف ملحوظ في سرعة الاستجابة ومرونة الخطاب، وهو قصور تضاعف تأثيره السلبي في الظروف الراهنة لعدة اعتبارات معقدة. أول هذه الاعتبارات يتمثل في الطبيعة الضبابية والسريعة للمشهد الحالي، فمع احتدام المعارك وتداخلها مع مسارات التفاوض السياسي، أصبح إيقاع التحولات يُقاس بأجزاء من الساعة. في هذا المناخ بالغ التعقيد، حيث تتغير المعطيات كل بضع دقائق، يصبح تقديم تحليلات فورية أو معلومات قطعية حول أحداث جارية أمراً شبه مستحيل، ومحاولة اللحاق بهذا الإيقاع المجنون غالباً ما تنتهي بفقدان المصداقية. وفي المقابل، تتعمد وكالات الأنباء والصحف الغربية استغلال هذا المأزق عبر بث تسريبات مجتزأة أو بنود مشوهة من أروقة المفاوضات لإرباك الخصم، وهو ما يتطلب إدارة إعلامية هادئة تدرك متى تتحدث ومتى تصمت، وتحيل هذه التسريبات إلى طاولات التفاوض المغلقة بدلاً من الانجرار إلى نفيها أو إثباتها لحظياً.

العامل الثاني الذي يكبّل انطلاقة الإعلام الموالي لمحور المقاومة هو طبيعة الحرب ذاتها. فنحن لا نتحدث عن حرب تقليدية بخرائط واضحة بين جيوش نظامية، بل عن مواجهة مفتوحة مع كيانات ودول تتبنى “الاغتيال” كعقيدة راسخة في عقليتها الأمنية والعسكرية. هذا الاستهداف المستمر للقيادات والكوادر، سواء في أوقات التصعيد أو حتى في فترات التهدئة، يفرض إجراءات أمنية صارمة وحالة من التكتم الشديد. هذه الضرورة الأمنية القصوى تخلق فجوة حتمية، وتُضعف حلقات الوصل بين “الميدان” وبين الغرف الإعلامية، مما ينتج عنه في كثير من الأحيان غياب للتنسيق وارتباك في توحيد الرسالة الموجهة للجمهور.

يزداد المشهد تعقيداً مع وجود شخصيات سياسية على الضفة الأخرى، كدونالد ترامب، تعمل بمثابة “أبواق” متحركة للحرب النفسية. هذه النماذج لا تعير اهتماماً للتماسك المنطقي في تصريحاتها، بل تتعمد إطلاق مواقف متناقضة تتغير بين ساعة وأخرى بهدف تشتيت الانتباه وزرع الشك. وقد أثبتت التجارب، من التلويح بوقف إطلاق النار في ساحات كلبنان إلى التهديدات المستجدة بفرض حصار بحري وتطويق الممرات المائية، أن الاستناد إلى هذه التصريحات الانفعالية أو التسرع في بناء مواقف إعلامية استناداً إليها هو فخ استراتيجي. فالتعامل مع حرب الأعصاب هذه يتطلب حذراً بالغاً وتجنباً للأحكام المتسرعة التي قد تنعكس سلباً على معنويات الجمهور.

أمام هذه التحديات، تبدو الاستمرارية بالنهج الإعلامي التقليدي ذاته أمراً بالغ الخطورة؛ فالاستغراق في التخبط أو الصمت غير المبرر يؤدي حتماً إلى تآكل المرجعية الإعلامية الداخلية، ويفتح الباب واسعاً أمام الشائعات التي تزرع الإحباط وتثير الغضب بين الجماهير التي تمثل في نهاية المطاف الرصيد الاستراتيجي والرافعة الأهم لأي مشروع سياسي أو مقاوم. لذا، فإن المخرج الأكثر نجاعة من هذا المأزق يكمن في إحداث تحول جذري في فلسفة الخطاب الرسمي والإعلامي؛ بالانتقال من أسلوب “اللهث وراء الأحداث” إلى استراتيجية “شرح السياقات والمسارات”. عندما يركز المسؤولون ووسائل الإعلام على توضيح الصورة الكلية، وشرح الخلفيات والدوافع التي تحكم سير المعركة، تتشكل لدى الرأي العام حصانة معرفية وإطار عام للفهم، يتيح له استيعاب أي حدث طارئ وتحليله بهدوء، بعيداً عن صدمة اللحظة أو تلاعب آلة الدعاية المضادة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات